kayhan.ir

رمز الخبر: 231264
تأريخ النشر : 2026October09 - 19:43

أنصار الله يمسكون بزمام المبادرة

ناصر قنديل

 بدأت الحرب الجديدة على اليمن بوعد تغيير الموازين، واستعادة الساحل، وفتح الطريق إلى صنعاء، واقتلاع أنصار الله من المعادلة الإقليمية التي فرضوا حضورهم فيها عبر البحر الأحمر. كان المطلوب تحقيق تحوّل استراتيجي يعيد ترتيب المنطقة، ويمنح السعودية وأميركا أوراقاً جديدة في التعامل مع إيران وقوى المقاومة. أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرضه الميدان على الرياض وحلفائها في عدن هو ما الهدف الذي يمكن مواصلة الحرب من أجله، بعدما ظهر أن دخول صنعاء واقتلاع أنصار الله يتجاوزان قدرة الحملة على الإنجاز؟

تكمن أهمية السؤال في أن الحرب تحتاج إلى هدف يمكن بلوغه، وتُقاس نتائجها بالمسافة التي قطعتها نحوه. وعندما تصبح حماية المواقع المتبقية، ومنع انهيار الجبهات، وتأمين المطارات والمنشآت النفطية، هي المهمات الملحّة لأصحاب مشروع قلب الأوضاع، يكون زمام المبادرة قد انتقل إلى الطرف الآخر. فالصمود الذي يشكّل نجاحاً لمن يتعرّض لحرب اقتلاع، يكشف تعثّر المشروع عندما يصبح غاية الطرف الذي بدأ الحرب ووعد بالحسم. وهذا هو التحوّل الذي تختصره الجبهات اليمنيّة، مهما استمرّت الغارات وارتفعت أرقام الاستهدافات في البيانات.

لقد بدأ أنصار الله من مهمّة الصمود أمام التفوّق الجوي، ثم انتقلوا إلى الإمساك بمفاصل جغرافية على الساحل وفي محيط باب المندب، والعمل على حمايتها وربطها بعمقهم البري. وتحوّلت هذه المكاسب إلى وقائع ألقت على القوات المهاجمة عبء استعادتها قبل التفكير في التقدّم نحو صنعاء. ومن هنا جاءت أهمية سقوط رواية الحسم الإعلامي في ذوباب والمخا، فالانتقال من إعلان السيطرة الواسعة إلى الحديث عن مطار وطريق ومواقع داخل المديرية كشف الفارق بين التحوّل الاستراتيجي الموعود وحدود الإنجاز الذي أمكن تقديمه.

ولا تتوقف قيمة الساحل عند السيطرة على نقطة أو مرتفع. إنها تتصل بقدرة أنصار الله على البقاء طرفاً يملك التأثير في أمن البحر الأحمر، وبعجز الحرب حتى الآن عن إبعادهم عن هذه المعادلة. ويمكن للقوات الحكوميّة أن تحقق تقدّماً في موقع، وأن تخوض معركة لاستعادة آخر، لكن القيمة الإقليمية للحملة كانت معلّقة على إخراج أنصار الله من الساحل وصنعاء معاً. ومع ابتعاد هذا الهدف، تصبح المعارك الموضعية استنزافاً مفتوحاً، وتفقد قدرتها على إنتاج الانقلاب الذي راهن عليه أصحاب الحرب.

وتأتي تعز لتضيف إلى معادلة الساحل ضغطاً برياً أكثر عمقاً. فالسلطات الحكوميّة نفسها أصدرت قراراً بتعليق الدراسة ومنح الموظفين إجازة في المديريات التي أصبحت تحت سيطرة أنصار الله. وهذا إقرار إداري بخسارة مناطق واستمرار خروجها من سلطة الحكومة، في وقت تتحدّث الأخبار المحلية عن انسحابات ووساطات لوقف القتال في جبهات جنوب المدينة. ويكشف ذلك أن الهجوم المعاكس لم يستعد المبادرة على امتداد المحافظة، وأن المكاسب التي حققها أنصار الله بدأت تنتج آثاراً تتجاوز خطوط الاشتباك. وفي المسراخ، ينقل موقع «تعز اليوم» عن بيان للمقاومة الشعبية وقف القتال والانسحاب بعد تطويق المواقع وانقطاع التعزيزات، مقابل ترتيبات تشمل عدم الملاحقة والإفراج عن الأسرى وفتح الطرق. وبصرف النظر عن المسار الذي ستسلكه بقية الجبهات، فإن دخول الوساطات المحلية إلى قلب المعركة يكشف أين يتجه الضغط، نحو تفكيك قدرة الخصم على الاستمرار، ودفعه إلى البحث عن شروط للخروج. وهنا تتقدّم معادلة تعز بوصفها اختباراً للتماسك العسكري والسياسي للقوى التي كان يفترض أن تحمل مشروع التقدّم نحو صنعاء.

وبالتوازي مع الضغط البري، تتصاعد المعادلة النارية التي تطاول المطارات والمصافي وطرق الإمداد. وقد أظهرت الهجمات على المطارات قدرتها على تعطيل الرحلات وفرض إجراءات طارئة وتحويل مسارات الطائرات، حتى عندما تُستأنف الحركة لاحقاً. وتكمن دلالة ذلك في جعل استمرار الحرب كلفة يوميّة داخل العمق السعودي، وربط أمن المنشآت الاقتصادية وحركة الطيران بمصير المواجهة في اليمن. فالغارات التي تراهن على إنهاك أنصار الله تقابلها قدرة على نقل الضغط إلى منشآت يحتاج الطرف الآخر إلى انتظام عملها.

بهذا التداخل بين الساحل وتعز والعمق السعودي، يمسك أنصار الله بزمام المبادرة: يحمون المكاسب التي كان اقتلاعهم منها هدف الحرب، ويفرضون على خصومهم الدفاع عن الجبهات والمنشآت، ويوسّعون أسباب البحث عن تسوية. وعندما تعجز الرياض وعدن عن تقديم هدف واقعي يتجاوز الصمود، يصبح التفاوض نتيجة لموازين صنعتها الحرب. ويتقدّم أنصار الله إلى هذا التفاوض وهم يملكون أوراق الجغرافيا والنار والقدرة على الاستمرار، لفرض شروط تعالج أصل المواجهة وتضمن مكاسبهم. أما مشروع دخول صنعاء، فيتراجع أمام سؤال أشدّ إلحاحاً لدى أصحابه، كيف تنتهي الحرب قبل أن تتضاعف أثمانها؟

هذا ما يفسّر تمسك تركيا وباكستان بالدعوة للحل السياسي وهما تعلنان الوقوف إلى جانب السعودية في الدفاع عن منشآتها وأراضيها، وتفعيل الدعوة إلى مبادرة ربما يصبح موضوع الأيام القادمة.

captcha