kayhan.ir

رمز الخبر: 231077
تأريخ النشر : 2026October05 - 20:24

بعبدا وحزب الله: حين يصبح الحوار بين منطق الدولة وضغوط الخارج!

 

عباس المعلم

 تبدو القراءة السياسية لمسعى الرئيس جوزيف عون إلى فتح قنوات الحوار والتواصل مع حزب الله أبعد من مجرد حاجة داخلية إلى ترتيب العلاقة بين بعبدا والحزب؛ إذ يأتي هذا المسار في لحظة ضغط أميركي ودولي متصاعد لحصر السلاح بيد الدولة، وفي ظلّ محاولة واضحة لإحداث خرق في جدار تمسّك الحزب بسلاحه ومقاربته لمواجهة “إسرائيل”. والمفارقة أنّ الحوار، بدل أن ينطلق من عنوان وطني جامع يبدأ بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار وصوغ استراتيجية دفاعية، يظهر حتى الآن أقرب إلى إدارة ملف السلاح تحت وطأة ميزان قوى خارجي ضاغط.

والأكثر دلالة أنّ رسائل بعبدا إلى الحزب لا تمرّ دائماً عبر قناة سياسية مباشرة وواضحة، بل تتقدّم أحياناً عبر شخصيات ونواب قريبين من الرئيس، في صيغة تتراوح بين «النصيحة» والدعوة إلى مراجعة الخيارات. وقد دعا النائب آلان عون، بعد لقائه الرئيس، حزب الله علناً إلى الحوار في بعبدا والانخراط في مسار حصر السلاح بيد الدولة. وهذا الأسلوب يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: لماذا تُدار قضية بهذا الحجم عبر رسائل سياسية غير مباشرة، فيما يفترض موقع رئاسة الجمهورية أن يكون منصة الحوار المباشر مع أحد أكبر المكونات السياسية والنيابية في البلاد؟

بالتوازي، تتحرك في المشهد أدوات ضغط متعددة: القوة العسكرية الإسرائيلية والضغط والعقوبات الأميركية والتحوّلات على الحدود السورية، فضلاً عن الضغوط السياسية والاقتصادية المحيطة ببيئة الحزب. لكن تحويل هذه العناصر إلى أوراق تفاوض داخلية يحمل إشكالية عميقة: فالرئاسة، دستورياً وسياسياً، ليست امتداداً لموازين الضغط الخارجي، بل مرجعية يفترض أن تدير الخلاف بين اللبنانيين من داخل مؤسسات الدولة. وعون نفسه أعلن أنّ قرار حصرية السلاح «قرار داخلي وليس مفروضاً من الخارج»، فيما تؤكد الوقائع في المقابل وجود ضغط دولي معلن ومتواصل في اتجاه نزع سلاح الحزب.

لا يمكن الاعتراض من حيث المبدأ على الحوار بين بعبدا وحزب الله؛ بل إنّ غيابه هو الاستثناء غير الطبيعي. نحن أمام رئيس للجمهورية وحزب لبناني يمتلك كتلة نيابية وتمثيلاً حكومياً وقاعدة شعبية، ومن الطبيعي أن يكون بينهما حوار مباشر مهما بلغ حجم الخلاف. غير الطبيعي أن يتحوّل الحوار إلى منصة لإبلاغ الحزب بموازين القوة “الإسرائيلية” أو بمطالب الخارج، بدل أن يكون إطاراً لبنانياً لمعالجة الاحتلال والسلاح والسيادة والإعمار ومستقبل الدفاع عن البلاد ضمن تسوية وطنية دستورية.

من حق جوزيف عون أن يعارض سلاح حزب الله، وأن يمتلك تصوّراً مختلفاً جذرياً لدور المقاومة ومستقبلها؛ فهذا خلاف سياسي مشروع. لكن موقع الرئاسة يفرض أن تُدار هذه الخصومة من داخل الدولة: في مجلس الوزراء، وعبر المؤسّسات الدستورية، وبحوار مباشر لا بالوسطاء والرسائل المبطنة. الفارق جوهري بين رئيسٍ يحمل مشروع الدولة إلى جميع اللبنانيين، ورئيسٍ يحمل مطالب الخارج إلى فريقٍ من اللبنانيين؛ فالأول يمارس وظيفة الرئاسة، أما الثاني فيخاطر بتحويل بعبدا، في نظر خصومه، من مرجعية وطنية لإدارة الخلاف إلى صندوق بريد لموازين القوى الإقليمية والدولية…!

captcha