الخروج من العراق... أفول قوة عظمى بهزيمة استراتيجية
- بإعلان رحيل آخر الجنود الأمريكيين عن الأراضي العراقية، أُسدل الستار على أكثر من عقدين من الاحتلال العسكري. غير أن السؤال عن الحصيلة الحقيقية لتلك الحرب لا يزال يتردد في الأروقة السياسية والعسكرية في واشنطن. فقد اندلعت الحرب بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل ودرء المخاطر الأمنية وإعادة إعمار العراق، ثم انتهت بكلفة باهظة بشرياً ومالياً واستراتيجياً.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، خلّفت القوات الأمريكية في هذه الحرب 4474 قتيلاً ونحو 33 ألف جريح، وأنفقت، بحسب ما يزعمه ترامب، قرابة 7 تريليونات دولار. ومع ذلك لم يعد الأمريكيون أنفسهم راغبين في استمرارها؛ إذ أظهر أحدث استطلاع لمركز «بيو» لأبحاث الرأي العام، أن نحو 75% منهم أيّدوا إنهاءها. أما العراق، فقد دفع بدوره ثمن سنوات من الفوضى الأمنية والاقتتال الداخلي وسقوط الضحايا بالآلاف.
والآن، وبعد الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، سعى عدد من الخبراء والمحللين الأمريكيين إلى قراءة سجلّ هذه الحرب، لا بميزان الانتصارات الميدانية وحدها، بل بمعيار الأهداف الاستراتيجية التي رسمتها واشنطن. وتكشف هذه القراءات في كثير من الأحيان عن هوّة سحيقة بين المكاسب التكتيكية التي حققتها أمريكا في ساحة المعركة وغاياتها الاستراتيجية.
«أنتوني كوردسمان»، الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يقول في تقييمه: «دخلت القوات الأمريكية هذه الحرب عام 2003، وكانت دواعي دخولها خاطئةً. فقد أثبتت الوقائع بشكل قاطع أن العراق لم يكن يمتلك صواريخ بعيدة المدى ولا أسلحة دمار شامل، وأن نظامه لم تكن تربطه بالقاعدة أو بالهجمات التي استهدفت أمريكا وحلفاءها أي صلة».
ويضيف: «الإنجاز الوحيد للغزو الأمريكي كان تدمير قدرة القوات المسلحة العراقية على الردع في مواجهة إيران، دون أن تكون لدى واشنطن خطة واضحة لإعادة الأمن والنظام عبر إقامة نظام ديمقراطي لا يفضي إلى عزل أهل السنّة وتهميشهم».
نصر تكتيكي وهزيمة استراتيجية
ورغم انتقاده لنتائج الحرب، يرى هذا الخبير العسكري أن حرب العراق، ومعها الانسحاب الأمريكي في خاتمة المطاف، حققت نصراً تكتيكياً على الأقل. فبحسب رأيه، تمكنت القوات الأمريكية من بناء قدرات فعّالة لاحتواء التمرد، وأحرزت بالتعاون مع القوات الأمنية العراقية انتصارات مهمة في عامي 2007 و2008. وقد أسهمت هذه الجهود، إلى حدّ ما، في تعويض آثار خمس سنوات من الحرب الأهلية، وفي إقامة بناء هشّ لديمقراطية عاجزة، بناء قد يعيد العراق مرةً أخرى إلى حكم الرجل القوي.
ويقول الخبير الأمريكي: «اقتصرت الانتصارات التكتيكية للقوات الأمريكية على خفض عدد الحوادث الأمنية، ومن ثمّ تراجع حدة الصراع، وهو صراع كان في أصله ثمرة إخفاقات أمريكا في سنوات الاحتلال الأولى. ومع ذلك، فقد خسرت الولايات المتحدة هذه الحرب على المستوى الاستراتيجي».
ولتوضيح تقييمه، ساق أربعة عوامل رئيسية:
أولاً: أخفقت أمريكا في التوصل مع العراق إلى اتفاق إطار استراتيجي فعّال يخدم أهداف واشنطن في المنطقة.
ثانياً: غادرت القوات الأمريكية دون أن يُرسى هيكل واضح ومستقر للنظام السياسي العراقي. ويرى كوردسمان أن تعجّل أمريكا في صياغة الدستور وإجراء الانتخابات، دون تهيئة المجتمع العراقي لها، كان من أسباب هذا الإخفاق.
ثالثاً: فشلت أمريكا في إعادة بناء قدرات القوات المسلحة العراقية والارتقاء بها إلى مستوى يتيح لها تحقيق ردع في وجه إيران، وهو ما يعدّه كوردسمان خطأً استراتيجياً جسيماً.
رابعاً: افتقرت واشنطن إلى خطة استراتيجية للتعاون مع الدول الخليج الفارسي، خطة كان بوسعها، عبر إنشاء قوة عسكرية أمريكية متقدمة وتنسيقها مع جيوش الدول العربية الحليفة، أن توجِد آلية ردع بديلة في مواجهة إيران.
وخلص كوردسمان إلى أن الانسحاب الأمريكي من العراق «ليس إعلان نصر في حرب شنّتها أمريكا على العراق عام 2003، بل هو نهاية حرب باهظة الكلفة من منظور استراتيجي؛ حرب غادرت في ختامها القوات الأمريكية بلداً عاجزاً حتى عن ضمان أمنه واستقراره الداخلي، وتركت منطقةً استراتيجيةً دون بنية استراتيجية جديدة لمرحلة ما بعد رحيل آخر جندي أمريكي».
هل كانت حرب العراق تستحق أن تُخاض؟
أما «مايكل أوهانلون»، كبير الباحثين في دراسات السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز، فيرى أن «كلفة هذه الحرب كانت باهظةً جداً، وأن جزءاً منها نجم عن ضعف الاستعداد للحرب، لا سيما في مراحلها الأولى».
ويؤكد أوهانلون أن الأثمان الفادحة التي دفعتها أمريكا في العراق لا تبررها النتائج المتحققة، ويقول: «يصعب في هذه المرحلة إجراء حساب دقيق للتكاليف والمكاسب، وإن كنت أميل إلى الشك في أن ما أنفقته أمريكا في حرب العراق، يتناسب مع ما استطاعت أن تجنيه في هذا البلد».
وفي السياق ذاته، يستعير البروفيسور «أندرو باسيفيتش»، أستاذ العلاقات الدولية والتاريخ في جامعة بوسطن، عبارة ونستون تشرشل الشهيرة قائلاً: «قلّما حدث في تاريخ البشرية أن بُذل هذا القدر الهائل من التضحيات الغالية في سبيل نتائج بهذا القدر من الضآلة».
وللتدليل على رأيه، أشار باسيفيتش إلى عدة نقاط:
أولاً: لم تحقق أمريكا نصراً عسكرياً، ولا استطاعت بلوغ أهدافها الاستراتيجية في حربٍ خلّفت آلاف القتلى والجرحى الأمريكيين ومئات الآلاف من القتلى والجرحى العراقيين.
ثانياً: لا يقف إرث حرب أمريكا في العراق الكارثي عند حدود الخسائر المالية والأرواح المزهقة؛ فقد كشفت هذه الحرب أن القيادة السياسية الأمريكية تعاني قصوراً في كبح جماحها وضبط نفسها، وتميل إلى توظيف القوة العسكرية أداةً في السياسة الدولية.
ثالثاً: أياً كانت المكاسب الممكنة أو المستحيلة، فقد اندفعت أمريكا إلى الحرب مستعجلةً، وكأن الحرب صارت أداةً اعتياديةً في العلاقات الدولية، وكأن الشعب الأمريكي سيتقبلها دون معارضة.
الخروج من العراق: نهاية حلم الهيمنة الأمريكية؟
يرى باسيفيتش أنه بعد نحو تسع سنوات من إشعال جورج دبليو بوش حرب العراق، وكان قد وعد بنصر سريع، ارتضى باراك أوباما، بإنهائها، بما تبقّى من حرب فائقة الكلفة، حرب كشفت للعالم حدود القوة الأمريكية.
ومن وجهة نظره، كان الهدف الحقيقي لعملية «حرية العراق» ــ وهو الاسم الذي اختارته الإدارة الأمريكية لغزو العراق ــ أن تظهر واشنطن للعالم، بعد هجمات 11 سبتمبر، أن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على رسم مجرى التاريخ. وقد بدا لإدارة بوش أن نظام صدام الهش هدف مثالي لإثبات هذه النظرية، إذ يمهّد الطريق لنصر خاطف ومكاسب فورية واستعراض لتفوق القوة العسكرية الأمريكية.
ولشرح هذه الرؤية، يعود باسيفيتش إلى تطورات الأسابيع الأولى للحرب، تلك التي أوحت في بدايتها بأن نظرية القوة العسكرية الأمريكية في طريقها إلى الإثبات.
يقول: «للوهلة الأولى، أوحى تسلسل الأحداث ــ بدء الحرب في 20 مارس 2003، ودخول القوات الأمريكية العراق، وسقوط بغداد في 9 أبريل ــ بأن المهمة ستُنجز بنجاح. حتى إن بوش أقام على متن حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» احتفالاً متعجلاً بالنصر، وخلفه لافتة ضخمة كُتب عليها: «أُنجزت المهمة». وقال موجّهاً كلامه إلى منفذي هجمات 11 سبتمبر إنهم ظنّوا أنهم قادرون على إجبار أمريكا على التراجع عن دورها القيادي في العالم، لكنهم فشلوا، وإن أمريكا ماضية من نصر إلى نصر».
لكن باسيفيتش، الذي خدم بنفسه برتبة مقدّم في حرب فيتنام، يرى أن مجريات الأحداث في العراق سارت على غير ما توقّعه بوش.
ويقول إن حرب العراق أثبتت أنه «وإن لم تكن هناك قوة عسكرية في العالم تتفوق على أمريكا من حيث القدرة العسكرية، فإنه لا يمكن الاعتماد على هذه القوة وحدها لتحقيق النصر».
وفي رأي باسيفيتش، «كان الانسحاب الأمريكي من العراق نهايةً لفكرة الهيمنة الأمريكية القائمة على الاتكاء المحض على القوة العسكرية».
الوقت