kayhan.ir

رمز الخبر: 230876
تأريخ النشر : 2026October02 - 21:53

الأمم المتحدة مرآة نتنياهو: خطابٌ قويّ وأسئلةٌ أكثر إلحاحاً في الداخل

محمد حسن علي زعيتر

لم يكن خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أيلول/ سبتمبر 2026 مجرد خطاب دبلوماسي للدفاع عن الموقف “الإسرائيلي”، بل بدا أيضاً جزءاً من معركة سياسية داخلية يخوضها الرجل قبل الانتخابات “الإسرائيلية” المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر. فقد ركّز نتنياهو على الدفاع عن “إسرائيل”، والهجوم على أعدائها وخصومها، وتقديم نفسه بوصفه قائداً يقف في مواجهة ما وصفه بالضغوط الدولية. وفي المقابل، كانت مشاهد مغادرة عشرات الوفود قاعة الأمم المتحدة قبل بدء كلمته تعكس حجم الاعتراض الدولي على سياسات حكومته.

لكن المفارقة الأساسية لم تكن داخل قاعة الأمم المتحدة فقط، بل خارجها أيضاً. فنتنياهو وصل إلى نيويورك في زيارة قصيرة جداً، لم تتجاوز ساعات، ومن دون لقاء مقرر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مشهد وصفته رويترز بأنه يعكس توتراً في العلاقات الأميركية ـ “الإسرائيلية”. والأهمّ أنّ جدول الزيارة لم يتضمّن، وفق ما أُعلن، لقاءً مع مسؤولين أميركيين بارزين على هامش الجمعية العامة.

وهنا تبرز دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها، الرجل الذي أراد أن يظهر أمام العالم باعتباره صاحب القرار والقائد الذي يدافع عن “إسرائيل”، لم يحصل في زيارته الأميركية القصيرة على الصورة التقليدية للقاء مع الرئيس الأميركي. صحيح أنّ عدم اللقاء لا يعني وحده وجود قطيعة أو خلاف استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، وقد برّر مكتب نتنياهو الأمر بضيق الوقت وكثرة طلبات اللقاء؛ لكن توقيت المشهد، وطبيعة الزيارة، يجعلان المسألة موضع قراءة سياسية.

واللافت أنّ نتنياهو نفسه لم يتجاهل ترامب في خطابه، بل على العكس، بالغ في الإشادة به، واصفاً إياه بالشريك الأهمّ لـ “إسرائيل” في المواجهة، ومشيداً بقيادته. هذه الإشادة يمكن قراءتها، في سياق الزيارة، باعتبارها تأكيداً على أهمية العلاقة مع واشنطن في الخطاب “الإسرائيلي”، في وقت لم يحصل فيه نتنياهو على اللقاء الذي كان يسعى إليه مع الرئيس الأميركي.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل كان خطاب الأمم المتحدة موجهاً إلى العالم بقدر ما كان موجهاً إلى الداخل “الإسرائيلي”؟

المؤشرات التي سبقت الخطاب تدفع إلى قراءة هذه الفرضية. فنتنياهو يدخل المرحلة الانتخابية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، فيما تشير تقارير وتحليلات حديثة إلى أنّ مستقبله السياسي ليس مضموناً. ولذلك تحوّلت منصة الأمم المتحدة إلى فرصة لعرض صورة القائد الذي لا يتراجع، ويواجه الخصوم، ويتمسك بالموقف “الإسرائيلي”، ويقدّم الحرب باعتبارها جزءاً من معركة وجودية. “رويترز” وصفت الخطاب بأنه محاولة لمواجهة العزلة الدولية المتزايدة بالتزامن مع المعركة الانتخابية في الداخل.

ومن هذه الزاوية، لم يكتفِ نتنياهو بالدفاع عن سياسات حكومته، بل هاجم منتقديه، وانتقد حكومات غربية، وهاجم إيران وحزب الله وحماس، كما دخل في مواجهة سياسية مع عمدة نيويورك زهران ممداني. وهكذا أصبحت منصة الأمم المتحدة مساحة لإعادة إنتاج صورة نتنياهو كـ«قائد حرب» يخوض مواجهة مفتوحة مع خصوم “إسرائيل” في الخارج.

لكن المشكلة التي تواجه نتنياهو هي أنّ قوة الخطاب لا تلغي الأسئلة التي تنتظره في الداخل.

فـ “الإسرائيلي” الذي يشاهد رئيس حكومته واقفاً أمام العالم ويتحدث بلغة الانتصار قد يسأل في الوقت نفسه: ماذا تحقق فعلياً؟ وما هو ثمن الحرب؟ وإلى أين تتجه “إسرائيل” سياسياً وأمنياً؟ وكيف يمكن تفسير اتساع الانتقادات الدولية لـ “إسرائيل”، وتراجع العلاقات مع عدد من الدول الغربية، في الوقت الذي يستعد فيه نتنياهو لانتخابات حاسمة؟

وتزداد هذه الأسئلة حساسية عندما توضع إلى جانب العلاقة .

لذلك، فإنّ الأمم المتحدة كانت مرآة مزدوجة لنتنياهو: في مقدمة المشهد ظهر رئيس وزراء إسرائيلي يتحدث بلغة القوة والتحدي، وفي خلفية المشهد ظهرت أسئلة العزلة الدولية، والانتخابات القريبة، والعلاقة مع الإدارة الأميركية، ومستقبل قيادته السياسية.

وفي النهاية، قد لا تكون أهمية خطاب نتنياهو في الكلمات التي قالها فقط، بل في الفجوة بين الصورة التي أراد أن يرسمها عن “إسرائيل” وبين الأسئلة التي تفرض نفسها خارج منصة الخطاب وداخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

فمنصة الأمم المتحدة تسمح لرئيس الحكومة بأن يخاطب العالم لساعات، لكن صناديق الاقتراع ستضع أمامه أسئلة الداخل. وبين الخطاب والانتخابات، وبين صورة التحالف مع واشنطن وغياب اللقاء مع ترامب، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً سياسياً يتجاوز حدود قاعة الأمم المتحدة…

captcha