إسلام آباد بين إرادة الشيطان وجند الرحمن
محمد صادق الحسيني
من سردية التاريخ القديم تقول الرواية: “ومن بلاد الفرس انتقل الإسكندر بجيشه عبر هرات وكابول… حتى بلغ وديان نهر السند العليا عن طريق ممرّ خيبر فمدينة تاكسيلا شمالي راولبندي (قرب إسلام آباد العاصمة الحديثة)، حيث قابل أول حاكم هندي قاومه وقاتله قتالاً باسلاً مستميتاً لدرجة أنه لم يكن من السهل على الإسكندر أن يتغلّب عليه، يُقال له بوروس، كان بطلاً شهماً مديد القامة جداً… هذه المعركة أرهقت الإسكندر وجنده وجعلته يختار أدراج العودة عبر وادي نهر السند دون أن يدخل إلى العمق الهندي!”.
من كتاب جواهر لال نهرو زعيم الهند (ملامح من تاريخ العالم)، هذه المنطقة التي صدّت زحف الإسكندر المقدونيّ، كما مرّ ذكرها آنفاً في كتاب رسائل نهرو إلى ابنته من السجن الإنجليزيّ في العام 1943، هي اليوم ما يُعرف بـ باكستان الحاليّة، إذ يومها كانت جزءاً لا يتجزأ من شبه القارة الهنديّة…
إنّ باكستان اليوم دخلت معترك الصراع الدولي من جديد، ولكن من البوابة الإيرانية هذه المرة. وهي تحاول أن تكون وسيطاً ناجحاً بين جيش الشيطان الأميركي الذي يحشد شرقاً، وبين جند الرحمن بقيادة إيران التي تشكل سداً منيعاً بوجه الطاغية حتى الآن، وهي جهود قد تبلورت في الظاهر في ما بات يُعرف بـ “مذكرة إسلام آباد”.
وحتى نعرف ماذا يجري في باكستان لا بدّ من مختصر مكثف لتاريخ باكستان البلد المسلم الآسيوي الواعد.
إنّ مؤسس باكستان هو القائد محمد علي جناح وهو الشيعيّ الاثنا عشري الوحدوي إسلامياً، وهو المحرّر للمسلمين في شبه القارة من سلطة الاستعمار الإنجليزي والاستبداد الهنديّ.
ثم تبعه السياسي المبدع ذو الفقار علي بوتو صاحب فكرة الدستور الباكستاني والقنبلة النووية والانتخابات و”الديمقراطية الباكستانية…”.
لكن الجيش الباكستاني الذي أسّسه البريطانيون قبل نحو 177 عاماً أي نحو مئة عام قبل تأسيس باكستان، لم يحلُ لهم ذلك… إذ سرعان ما تآمروا على الدستور والديمقراطية والانتخابات وأطاحوا بها.. في دورات لاحقة حتى وصلنا إلى الثنائي الحاكم الآن في إسلام آباد: عاصم منير (قائد الجيش الحالي) وشهباز شريف (رئيس الوزراء)، وهما اللذان يقودان الدولة النووية الآسيوية المسلمة الواعدة هذه نحو الهاوية، لا سمح الله، لو استمرّ نهجهما التبعي لكلّ من أميركا والسعودية كما يجمع كلّ الخبراء المستقلين في الداخل الباكستاني.
فأنت لا يمكنك أن تكون على الحياد بين الرحمن والشيطان في زمن انكشاف الأوراق وتصاعد موجة التحرر والانعتاق من الإمبريالية.
وأن تسجن قادة شعبك الأوفياء وفي مقدّمتهم عمران خان وتجوّعهم تحت وطأة 3 مليارات وديعة سعودية، أملاً في النجاة من خضمّ الطوفان العالمي المتسارع التغيير، بحجة أنك وسيط نزيه، وصاحب رؤية “وسطية” في الصراعات العالمية، وتاريخ بلادك يقول إنك لم تكن لتكون باكستان الإسلامية (ومعنى باكستان بالمناسبة هو بلد الطهر) لولا خيارك الأساس في التحرّر من الاستعمار البريطاني والتبعية للاستبداد الهندي الظالم.
العالم لن يرحم المتردّدين على قارعته، ولا الباحثين عن دور مجاني في خضمّ الصراعات الطاحنة التي ستفضي قريباً إلى نشوء عالم متعدد الأقطاب متحرر من الأحادية الأميركية وأذنابها من دول البترودولار…
خاصة أنّ باكستان اليوم مجدّداً محلّ تدافع تاريخي، بين إسكندر العالم الحديث، الذي بات يُعرف بالغرب الجماعي كما أفرزته حربا إيران التحرّريتان ضدّ الطاغية العالمي الأميركي وكلب حراسته “الإسرائيلي”، وبين عالم جديد ينهض ويتحرر ويطالب باستقلالية القرار.
إنّ باكستان اليوم حتى تأخذ موقعها المناسب في المعادلة الدولية الجديدة بحاجة إلى حاكم صلب، شجاع، شهم مستعدّ للقتال لمنع الطاغية العالمي الجديد من عبور السدّ الباكستاني، بل ويجبره على التراجع ويمنعه من إكمال طريقه نحو الداخل والعمق الآسيوي ـ كما حصل مع توقف زحف الإسكندر المقدوني ـ بل وهذه المرّة لجعله ينكسر أمام التنين الصيني…
التنين الصيني الذي يبدو أنه يراهن اليوم كثيراً على باكستان، بديلاً من البحار ومضيق مالاقا الذي تسيطر عليه أساطيل الإسكندر الأميركي، لتكون (أي باكستان) هي الجسر الطبيعيّ القادر على وصل الشرق بالغرب من أجل إنجاح مشروع القرن الصيني “حزام واحد طريق واحد”.
إنّ من يعرف باكستان جيداً يعرف أنّ مطالب الأكثرية الشعبية هي العودة للدستور ونتائج الانتخابات الديمقراطية والتخلي عن العنجهية والتسلط العسكري الاستبدادي.
إنّ الظروف المتغيّرة التي خلقتها انتصارات إيران ضدّ الهيمنة الدولية الأميركية مساعدة جداً لمن يريد خدمة شعبه في باكستان، ويريد وضع بلاده على الجانب الصحيح من التاريخ…
وأي تخلّف أو عناد مع التاريخ سيعني أنّ زحفاً جماهيرياً لا بدّ سينفجر يوماً ليطيح بتحالف العسكر والوهابية السياسية الحاكمة في باكستان ويتسلّم السلطة في إسلام آباد بكلّ زخمه ليصنع ثورة قد تكون خمينية جديدة، على حدّ تقدير بعض الخبراء…
ما يدعم هذا الاحتمال هو وجود وعي وبصيرة شعبية متنامية لدى الباكستانيين، بعد تجارب مديدة لهم مع حكومات تابعة وعميلة للغرب وللرعية الإقليمية البترودولارية بقيادة السعودية، والتي لطالما باعتهم في سوق النخاسة الدولية، على تاريخ باكستان الإسلامي الحديث الذي أسّس له الشهيد القائد الشعبي المظلوم السيد عارف حسيني.
أميركا تريد من باكستان سدّ إسكندر جديد لمنع التقدم الصيني على العالم عبر باكستان كما تسرد وتروّج، فيما الأكثرية الشعبية الباكستانية تريد من باكستانها عوناً جديداً في الحلف العالمي المناهض للأحادية القطبية الأميركية، من باب المندب وهرمز الشامخين، مروراً ببلاد الشام الفلسطينيّة المقاومة وبلاد الرافدين المتحرّرة وصولاً إلى عالم شنغهاي الجديد.
عالم ينهار، عالم ينهض،
بعدنا طيّبين قولوا الله…