kayhan.ir

رمز الخبر: 230819
تأريخ النشر : 2026September30 - 20:34

تراجع الأوهام وبقاء الثوابت: السياسة السعودية بين حتمية المصلحة وسقوط الرهانات!

 

ريما فارس

 تأتي المباحثات الأخيرة بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره السعودي حول ملفات المنطقة المشتعلة ـ من غزة واليمن إلى إيران والسودان ـ لتسلّط الضوء مجدداً على طبيعة الأدوار التي تُنسّق في الكواليس الإقليمية، ولتؤكد أنّ إدارة الأزمات العربية عبر البوابة الأميركية لا تخرج عن كونها استمراراً لنهج يُسوَّق اليوم تحت لافتات برّاقة مثل “البراغماتية”، “الواقعية السياسية”، وشعار “السعودية أولاً”. غير أنّ قراءة حقيقية من منظور المقاومة وقضايا الأمة تكشف أنّ هذا التحوّل ليس مجرد خيار استراتيجي نابع من قوة، بقدر ما هو إقرار صريح بعدم جدوى الخيارات العسكرية وإخفاق لرهانات طالما اعتمدت على المظلة الأميركية للتحكم بمسارات الإقليم. إنّ إسقاط القضايا الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية من سلّم الأولويات لصالح حسابات الأرقام والمشاريع الاقتصادية لا يعبّر عن رؤية مستقبلية بقدر ما يعكس انسحاباً من المسؤولية القومية والتاريخية، وتحويل الحقوق الساطعة للشعوب إلى مجرد أوراق تفاوضية في صفقات أمنية مع واشنطن.

يتجلّى هذا التراجع بوضوح في الملف اليمني، حيث لم يكن التوجه السعودي نحو المفاوضات والتهدئة مع حركة “أنصار الله” وليد رغبة مفاجئة في إحلال السلام، بل كان نتيجة مباشرة لمعادلة الردع الاستراتيجي التي فرضها الصمود اليمني. لقد أثبتت سنوات الحرب أنّ القوة العسكرية المفرطة والتحالفات المدعومة غربياً عاجزة عن كسر إرادة الشعوب المتمسكة بسيادتها، وأنّ ضربات المُسيّرات والصواريخ التي طالت العمق الاقتصادي أوْجدت كلفة غير قابلة للاستمرار. ومن هنا، جاء التراجع الرياضي نحو خيار التهدئة كاستجابة إجبارية لأمر واقع فرضته الميدان، ليؤكد أنّ معادلات القوة الحقيقية في المنطقة يصنعها الذين يخوضون الميدان دفاعاً عن أرضهم لا الذين يعتمدون على الحماية الخارجية.

أمّا في القارب الفلسطيني، فإنّ الموقف المعلن يتكشّف عن فجوة عميقة بين الشعار السياسي والواقع العملي. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حرب الإبادة ضدّ الشعب الفلسطيني في غزة وتستمر عمليات التهويد، تلتزم الرياض بحدود “المواقف الدبلوماسية الشكليّة” مع استمرار اندفاعها نحو ترتيبات أمنية وسياسية تهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان الرضا الأميركي وتوفير غطاء لاختراق “إسرائيلي” جديد للمنطقة عبر بوابة “التطبيع الإستراتيجي”. إنّ هذا النهج الذي اختزل أعدل قضية في التاريخ الحديث إلى مجرد شرط فرعي في حزمة صفقات، يثبت أنّ الرهان على النظم الإقليمية المحسوبة على المحور الغربي كان دائماً ركوباً على الوهم، وأنّ كسر الهيمنة وتغيير المعادلات لن يتحقق عبر طاولات المفاوضات المكبّلة بالاملاءات الخارجية، بل عبر تلاحم قوى المقاومة وإصرارها على خيار المواجهة.

إنّ المشهد الإقليمي اليوم يتشكل وفق خطين لا يلتقيان: خط يتوهّم أن الأمن والاستقرار يُشترَيان بالشراكات الاقتصادية والتحالف مع المستكبر الدولي ولو على حساب كرامة الأمة وحقوق شعوبها، وخط مقاوم يُثبت يوماً بعد يوم أنّ السيادة الفعلية والردع الحقيقي لا يُصنعان إلا بالاعتماد على الذات ورفض الخضوع. ومهما حاولت السياسات البراغماتية تجريد الصراع من أبعاده العقائدية والقومية، ستظلّ المقاومة في غزة واليمن ولبنان وإيران والعراق هي الحقيقة الثابتة التي تسقط كلّ الحسابات الضيقة، وتؤكد أنّ زوال الاحتلال ودحر الهيمنة ليسا مجرد شعارات، بل حتمية تاريخية يصنعها الصامدون في الميدان.

captcha