kayhan.ir

رمز الخبر: 230813
تأريخ النشر : 2026September30 - 20:32

نتنياهو يراهن على إسقاط النظام الإيراني من الداخل: هل بدأت الخطة؟!

 

عباس المعلم

 لم تكن العبارة التي أطلقها بنيامين نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة، بأنّ «أمراً لا يُصدَّق» سيحدث في إيران وأنّ المسألة ليست سوى مسألة وقت، جملةً عابرة في خطاب تعبوي؛ فهي، في القراءة السياسية، تستعيد مشروعاً “إسرائيلياً” أقدم وأعمق من مجرد استهداف المنشآت النووية أو العسكرية. فنتنياهو لم يتحدث هذه المرة عن إضعاف إيران فحسب، بل ذهب مباشرة إلى الرهان على سقوط النظام بفعل الداخل الإيراني. وهنا تحديداً تكتسب كلماته دلالتها الأخطر: “إسرائيل” لا تبدو وكأنها تعتبر المواجهة مع طهران ملفاً عسكرياً انتهت جولاته، بل مساراً مركباً يُراد نقل مركز ثقله تدريجياً من السماء والحدود إلى الاقتصاد والمجتمع والبنية الداخلية للدولة الإيرانية.

هذه المقاربة تتقاطع بوضوح مع ما كُشف سابقاً عن التصوّر الذي تبنّاه رئيس الموساد السابق ديفيد برنياع، والقائم على أنّ الضغط العسكري وحده لا يكفي لإحداث تغيير سياسي في طهران، بل ينبغي أن يتزامن مع إنهاك اقتصادي وعقوبات وضغوط عملياتية، ومحاولة تحريك قوى معارضة ومكونات قومية داخل إيران. وقد أفادت تقارير بأنّ برنياع عرض على نتنياهو، وعلى مسؤولين في إدارة دونالد ترامب، تصوّراً لتحفيز اضطرابات داخلية يمكن أن تتطوّر إلى تهديد للنظام؛ إلا أنّ الرهان لم يحقق النتيجة التي توقعها أصحابه، بل إنّ مسؤولين أميركيين و”إسرائيليّين” شكّكوا أصلاً في قابليته للتحقق. لذلك يمكن قراءة خطاب نتنياهو الأخير لا بوصفه إعلاناً عن «خطة جديدة» مثبتة، بل باعتباره مؤشراً إلى أنّ فكرة إسقاط النظام من الداخل لم تُدفَن، وإنما يجري الاحتفاظ بها ضمن استراتيجية ضغط أطول نَفَساً وأكثر تشعباً.

وهنا يدخل دونالد ترامب إلى المشهد بوصفه الحلقة التي يصعب على “إسرائيل” تجاوزها. فإذا كان نتنياهو قادراً على إدارة جانب من الضغط العسكري والاستخباري، فإنّ الخنق المالي والتجاري الأوسع يحتاج إلى الثقل الأميركي وقدرة واشنطن على توسيع منظومة العقوبات وملاحقة منافذ إيران المالية والتجارية. وقد تحدث برنياع نفسه بعد خروجه من رئاسة “الموساد” عن ضرورة تكثيف الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والعملياتية، فيما أشارت تقارير حديثة إلى توجه إدارة ترامب نحو تشديد الضغط الاقتصادي على طهران. من هذه الزاوية، تبدو رسالة نتنياهو في الأمم المتحدة موجهة إلى الداخل الإيراني بقدر ما هي موجهة إلى واشنطن: “إسرائيل” تقول إنها لا تزال تراهن على تفكيك قدرة النظام على الاحتمال، لكنها تدرك أنّ تحويل الضغط إلى حصار استراتيجي طويل الأمد يحتاج إلى قرار أميركي. ولذلك فإنّ عبارة «مسألة وقت» يمكن فهمها سياسياً باعتبارها محاولة لتثبيت هذا الخيار، لا دليلاً بحدّ ذاته على أن انهياراً وشيكاً بات محسوماً.

لكن خلف كلّ هذا الضجيج تبقى العقدة الأصعب داخل إيران نفسها. فنجاح أيّ استراتيجية خارجية لإحداث تغيير سياسي لا تحدّده شدة الضربات والعقوبات وحدها، بل قدرة الدولة الإيرانية على إدارة اقتصادها، واحتواء التفاوتات الاجتماعية والقومية، والحفاظ على التماسك السياسي والمؤسساتي، وقدرة الإيرانيين أنفسهم على تقرير شكل نظامهم ومستقبل بلدهم بعيداً عن الإملاء الخارجي. وتجربة الأشهر الماضية أظهرت أنّ الرهان “الإسرائيلي” على تحوّل الحرب سريعاً إلى انتفاضة داخلية لم يتحقق بالصورة التي كان يتوقعها بعض واضعيه. من هنا تبدأ قصة أكثر تعقيداً مما توحي به عبارة نتنياهو: هناك مشروع ضغط إسرائيلي معلن، وأدوات أميركية قادرة على مضاعفة ثقله، وفي المقابل دولة ومجتمع إيرانيان يمتلكان عوامل تماسك وتناقضات في آن واحد. لذلك فإنّ السؤال الأكثر دقة ليس: متى يسقط النظام؟ بل: هل تستطيع “إسرائيل” والولايات المتحدة تحويل الضغط الخارجي إلى تصدّعات داخلية عميقة، أم أنّ محاولة إسقاط إيران من الداخل ستُنتج، مرة أخرى، النتيجة المعاكسة وتعيد توحيد مجتمعها في مواجهة الخارج…؟

captcha