هل سقطت ورقة مضيق هرمز؟
– يُقال في الإعلام الأميركي، ثم يتكرر في الإعلام الغربي والعربي، إن ورقة مضيق هرمز سقطت من يد إيران، وإنها لم تعد ذات قيمة تفاوضية. ويُقدَّم عبور السفن تحت حماية البحرية الأميركية دليلاً على أن واشنطن تجاوزت قدرة طهران على التأثير في تدفق النفط. لكن السؤال الذي يحسم هذا الادعاء ليس من يعلن أن المضيق مفتوح أو مغلق، ولا حجم الشحنات الذي ينسبه كل طرف إلى نفسه. السؤال هو: هل زال أثر أزمة الإمدادات عن السوق الأميركي والعالمي؟ وللإجابة اختباران واضحان: سعر البرميل، واتجاه المخزون النفطي الاستراتيجي الأميركي.
– في الأول من تموز، بعد إعلان مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية وإعلان إيران فتح المضيق، أغلق خام برنت عند ٧١٫٥٧ دولاراً للبرميل. كان السوق يتعامل مع احتمال عودة الإمدادات بوصفه تغيراً حقيقياً في المستقبل القريب، فترجم ذلك إلى سعر. أما في تداولات ٢٨ أيلول، فقد بلغ برنت ١٠٥٫٢٣ دولارات عند الثامنة والنصف مساءً بتوقيت بيروت تقريباً. الفارق ٣٣٫٦٦ دولاراً للبرميل، أي نحو ٤٧ في المئة. لا يقول هذا الرقم إن هرمز وحده مسؤول عن كل دولار من الزيادة؛ لأن أسواق النفط تتأثر أيضاً بالحروب والإنتاج والشحن والطلب. لكنه يطرح سؤالاً لا يستطيع خطاب «سقوط الورقة» تجاوزه: إذا عاد أثر المضيق إلى الصفر، فلماذا بقي البرميل بعيداً إلى هذا الحد عن سعره يوم ساد توقع فتحه؟
– الاختبار الثاني تجريه الولايات المتحدة بأرقامها الرسميّة. بلغ مخزونها النفطي الاستراتيجي ٣٣١٫٢ مليون برميل في الأسبوع المنتهي في ١٩ حزيران، وهو أول قياس أسبوعيّ بعد إعلان المذكرة. وفي آخر قراءة منشورة أمكن التحقق منها، للأسبوع المنتهي في ١٨ أيلول، بلغ ٢٨٤٫٥٥ مليون برميل. أي إنه فقد خلال هذه الفترة نحو ٤٦٫٦٥ مليون برميل، بدلاً من أن يبدأ ترميم ما استُهلك منه. وإذا قيل إن السحب من الاحتياطي له برامج ومواعيد تنفيذ، ولا يجوز اعتبار كل برميل مسحوب دليلاً منفرداً على عجز الملاحة في هرمز، فإن استمرار انخفاض المخزون، إلى جانب بقاء السعر مرتفعاً، لا يقدم صورة سوق تخلصت من أزمة الإمدادات.
– هنا يصبح الإعلان الأميركي عن مرافقة «أكثر من مليار برميل» خارج الخليج (الفارسي)بلا قيمة فعلية رغم أنه أصلاً عرضة للتشكيك بصحته. قال ترامب الرقم في اجتماعه مع قادة الخليج(الفارسي)، وأعلن البيت الأبيض أن أميركا تسيطر على المضيق. حسناً؛ يمكن تسجيل الإعلانين كما صدرا، من دون الدخول في سجال حولهما. لكن نجاح مرافقة شحنات لا يساوي نجاح إعادة السوق إلى وضعه الذي سمح في أول تموز ببرميل عند ٧١٫٥٧ دولاراً. وعبور كمية كبيرة، مهما بدا رقمها مثيراً، لا يجيب عن سؤال استمرار الحاجة إلى المخزون الاستراتيجي، ولا عن سؤال الكلفة التي يتحملها مشترو النفط. لو كانت الورقة قد فقدت قيمتها فعلاً، لكان على أصحاب هذا الاستنتاج أن يفسروا لماذا لم تظهر النتيجة في هذين المؤشرين معاً.
– القيمة التفاوضية لهرمز لا تُقاس بقدرة إيران على منع كل سفينة من العبور في كل ساعة. في سوق يحتاج إلى الشعور بالثقة والاطمئنان بوجود تدفق منتظم ومستقر، يكفي أن يبقى احتمال التعطيل مؤثراً في السعر وفي قرارات التخزين والتأمين، لكي تبقى للورقة قيمة. وقد ترتفع حركة العبور في يوم، وتتراجع المخاوف في جلسة تداول، من دون أن يتحوّل ذلك إلى إمدادات مضمونة تسمح للدول بتعويض ما سحبته من احتياطاتها. لهذا لا ينبغي الخلط بين تخفيف الضغط وبين كسب الثقة، ولا بين نجاح عملية بحرية وبين إسقاط مصدر الخطر الاقتصادي الذي استدعاها.
– يستطيع الإعلام الأميركي أن يقول إن واشنطن حسّنت قدرة السفن على المرور، وأن ذلك حدّ من ارتفاع أكبر للأسعار. هذا ادعاء يمكن مناقشته على أساس الوقائع. أما الانتقال منه إلى القول إن ورقة المضيق انتهت، فيحتاج إلى برهان آخر، أن يعود البرميل إلى مستوى فتح المضيق بعد المذكرة، وأن يتوقف تراجع المخزون الاستراتيجي ثم يبدأ ترميمه. وإلى أن يحدث ذلك، تظل السوق تقول إن أزمة هرمز لم تُطوَ. والأدق أن نوجّه السؤال إلى مَن يعلنون سقوط الورقة: إذا سقطت، فلماذا يدفع العالم ثمنها بعد، ولماذا لا تزال أميركا تستهلك من احتياطها بدلاً من أن تعيد ملأه؟
البناء