kayhan.ir

رمز الخبر: 230695
تأريخ النشر : 2026September28 - 20:51

صفعة في الأمم المتحدة... وجع نتنياهو في تل أبيب

 

- تظل الجلسة السنوية للأمم المتحدة دائماً فرصةً لتعزيز الدبلوماسية والتعاون الدولي، وخاصةً لعرض رؤى قادة الدول حول أهم القضايا والتحديات الدولية. غير أن حضور بنيامين نتنياهو الصاخب، رئيس الوزراء الصهيوني المدرج على قائمة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، لم يُخفف من عزلة هذا الكيان على الساحة الدولية، بل تحوّل إلى مشهد يجسّد عمق الاشمئزاز العالمي من هذا الکيان غير الشرعي.

حاول نتنياهو أن يستغل منبر الأمم المتحدة كفرصة دعائية لتعزيز موقعه في السباق الانتخابي داخل الأراضي المحتلة، فراح يُعدّد انتصارات وهمية زعم تحقيقها خلال السنوات الأربع الماضية، سعياً للحفاظ على صورته كزعيم لمعسكر اليمين المتطرف. غير أن الأجواء السائدة في الجمعية العامة وردود الأفعال على حضوره وخطابه، حوّلت المشهد بأسره إلى فضيحة مدوية بكل المقاييس.

منذ سنوات، يستخدم نتنياهو منبر الأمم المتحدة لتصدير صورة القوة عن نفسه، مصوراً نفسه كزعيم لا يرضخ للضغوط الدولية ولا يتراجع عن سياساته القمعية بحق الفلسطينيين.

وفي خطابه الأخير، سار على النهج ذاته، فتحدث عن الهجوم على إيران، وحرب غزة، وحركة حماس، والتهديدات الأمنية التي تواجه الأراضي المحتلة. غير أن الارتباك الناجم عن التصاقه بلقب “مجرم حرب” دفعه، إلى جانب إنكاره للمجازر وسياسة تجويع أهل غزة، إلى اللجوء مجدداً إلى سياسته المستهلكة القديمة المتمثلة في تصوير اليهود كضحايا.

خطاب أمام مقاعد خالية

لكن أبرز ما ميّز خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة لم يكن مضمون كلماته، بل ما رصدته عدسات الكاميرات من خروج جماعي واسع لممثلي الدول، وإلقائه خطابه أمام صفوف من المقاعد الفارغة. فبمجرد بدء الخطاب، غادرت وفود سياسية عديدة (77 دولة) قاعة الجمعية العامة وسط هتافات مؤيدة لفلسطين، في مشهد نادر الحدوث، إذ ذكرت مجلة “فورين بوليسي” أن أكثر من مئة مندوب انسحبوا من الجلسة، في حين كانت صحيفة “واشنطن بوست” قد أفادت العام الماضي بانسحاب دبلوماسيين من خمسين دولة أثناء خطاب نتنياهو. وتُظهر هذه الأرقام أن عدد الدول التي فضّلت هذا العام مقاطعة ترّهات مجرم الحرب قد ازداد.

وبلغ هذا المشهد من الندرة حداً دفع بمقطع فيديو لدبلوماسي إسرائيلي إلى الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يقوم بعدّ المقاعد الفارغة لإعداد قائمة بأسماء معارضي کيان الاحتلال.

ولم تقتصر الاحتجاجات على نتنياهو على انسحاب الوفود الدبلوماسية من قاعة الجمعية العامة فحسب، بل امتدت لتشمل تجمعات احتجاجية خارج مبنى الأمم المتحدة أيضاً.

فقد نظّمت حركة “صوت اليهود من أجل السلام” هذه المظاهرات مطالبةً بإنهاء الحرب على غزة، واحتجاجاً على زيارة نتنياهو لنيويورك. وحمل المحتجون لافتات تحمل شعار “أوقفوا الإبادة الجماعية”، وهو ما تطور إلى مواجهات عنيفة إثر تدخل الشرطة.

وهذا يكشف أن السياسة اليوم لا تُقاس بمضمون الخطاب وحده، بل إن الصورة التي يرسمها الحدث في وسائل الإعلام قد تكون بذات الأهمية أو أكثر. أراد نتنياهو أن يُقدّم من منبر الأمم المتحدة صورة القوة والانتصار، لكن ما تبقى في النهاية هو مشهد القاعة وهي تفرغ تدريجياً، ليتحول إلى الرمز الأبرز لضعفه وهزال حضوره في هذه الجلسة.

كان انسحاب الوفود السياسية من القاعة مشهداً دالاً على فشل دبلوماسي ذريع منيَ به نتنياهو، وأظهر أن الاحتجاجات على سياسات "إسرائيل" في تصاعد مستمر على الصعيد الدولي، وأن هذا الكيان بات يواجه أكثر من أي وقت مضى عزلة وانتقادات عالمية متزايدة.

أجواء داخلية معادية لنتنياهو

لم يكن الجمهور الحقيقي المستهدف من خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة ممثلي الدول، بقدر ما كان المستوطنين الصهاينة في الأراضي المحتلة، الذين سيحكمون بعد شهر واحد، في انتخابات مصيرية، على أداء معسكر اليمين المتطرف. فقد ألحق نتنياهو وحلفاؤه، عبر فتح جبهات صراع متعددة خارج الحدود على مدى السنوات الأربع الماضية، أضراراً فادحةً بالمجتمع الصهيوني، وعرّضوا أمن المستوطنين واستقرارهم لمخاطر غير مسبوقة. فقضى هؤلاء جزءاً كبيراً من العام الماضي في عتمة الملاجئ الضيقة، فيما زادت الأزمات الاقتصادية من قسوة عام موصوف بأنه كان الأسوأ.

وهكذا، وبينما تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية نتنياهو وحلفائه من اليمين المتشدد، حاول استغلال منبر الأمم المتحدة مجدداً ليصوّر نفسه أمام الرأي العام الداخلي كزعيم قوي وذي خبرة، ساعياً لإقناع الإسرائيليين بأنه لا يزال الخيار الوحيد الموثوق لاستمرار رئاسته للوزراء. غير أن الأمور لم تسِر كما توقع، بل انقلبت الأجواء الإعلامية الداخلية سريعاً ضده.

ونقلت “وول ستريت جورنال” عن بعض المحللين قولهم: “ألقى نتنياهو خطابه باللغة الإنجليزية وفي ساعة الذروة التلفزيونية في إسرائيل، وهي خطوة قد تكون استهدفت رفع شعبيته في استطلاعات الرأي”.

كما أظهر استطلاع أجرته صحيفة “معاريف” أن ائتلاف نتنياهو تعرّض لتراجع في الأصوات حتى بعد خطابه أمام الجمعية العامة، فيما تتصاعد أصوات معارضيه.

ووفقاً لهذا الاستطلاع، خسر ائتلاف نتنياهو مقعداً واحداً، ليصل إلى 49 مقعداً، محتاجاً إلى ما لا يقل عن 12 مقعداً إضافياً لتحقيق الفوز، وهي فجوة يبدو ردمها، مع ضرورة زيادة أصوات الائتلاف الحاكم بنسبة 25%، أمراً بعيد المنال إلى حد يصعب تصوره.

كما لم تسلم وسائل الإعلام العبرية من انتقاد لاذع للمشاهد التي التقطتها الكاميرات في هوامش خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة.

ووصفت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في تحليل حادّ، خطاب نتنياهو بأنه كان حافلاً بالهجوم والاتهامات، خالياً من أي رؤية للسلام أو إنهاء الحرب، معتبرةً انسحاب الوفود الدبلوماسية من القاعة علامة على عزلة "إسرائيل" المتنامية.

وذكر موقع “واينت”، في تحليله للخطاب، أن الصورة الحاسمة لهذا الحدث لم تكن الأدوات التي استخدمها نتنياهو في خطابه، ولا مضامين كلماته المتعددة، بل كانت “انسحاب المندوبين”. وشدد الموقع على أن عشرات المندوبين غادروا القاعة لحظة اقتراب نتنياهو من المنصة، وأن صورة انسحابهم انتشرت بسرعة حول العالم.

وفي السياق ذاته، كتبت “تايمز أوف إسرائيل”: “على الرغم من مهارة نتنياهو المعروفة في العلاقات العامة، إلا أن خطابه اصطدم بصورة المقاعد الفارغة، تلك المقاعد التي كشفت ثمن سياسة خارجية باءت بالفشل”.

أما “جيروزاليم بوست”، فقد كتبت في تعليقها على مهانة نتنياهو داخل قاعة الأمم المتحدة: “الإسرائيليون بحاجة إلى أكثر من قائمة الإنجازات التي عرضها نتنياهو، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، يبقى سؤال بسيط معلقاً: إلى أين نتجه؟”.

كما صرّح ياكوف كاتس، الباحث في معهد سياسة الشعب اليهودي، قائلاً: “إسرائيل اليوم أكثر عزلةً على الساحة الدولية من أي وقت مضى منذ تأسيسها عام 1948”.

وخاطب روني مانا، رجل الأعمال الإسرائيلي المعروف، أعضاء حزب الليكود مباشرةً، داعياً إياهم إلى التخلي عن نتنياهو واختيار رئيس وزراء آخر، لأن العالم بات يكره "إسرائيل" بسبب سياساته.

في المحصلة، فإن الصورة التي بقيت عالقةً في أذهان العالم من خطاب نتنياهو لم تكن سردية انتصاراته المزعومة، بل المقاعد الخالية وتصاعد عزلة تل أبيب، صورة تكشف - بالتزامن مع تراجع الدعم الداخلي - أن محاولته تحويل هذا المنبر الدولي إلى منصة للعودة السياسية باتت تصطدم بعقبات جدية وحقيقية.

الوقت

captcha