kayhan.ir

رمز الخبر: 230563
تأريخ النشر : 2026September26 - 20:38

الفيدرالية في لبنان… تقسيم وتفتيت!

 

بتول علوه

 “فرِّق تسد” هي استراتيجية سياسية وإدارية تعني تقسيم الخصم أو المجتمع إلى جماعات صغيرة ومتناحرة ليضعفوا، ويصبح من السهل السيطرة عليهم. ففي وقت تشهد فيه البلاد احتقاناً سياسياً واجتماعياً وطائفياً، هناك من يدعو إلى الفيدرالية وإلى طروحات مشابهة هدفها واحد: تجزئة البلاد إلى كانتونات طائفية صغيرة.

وتباعاً، هناك من يعمل على تغذية مشاريع التفتيت باسم السيادة ويطرح الفدرالية كحلّ بما يضعف البلد أمام العدو.

التاريخ يعيد نفسه، ونختصرها بما قال أنطون سعاده وكأنه يعيش معنا اليوم: “إنّ أشدّ حروبنا هي الحرب الداخلية. وهي آلمها وأمرها، لأنها بيننا وبين فئات من أمتنا نعمل على رفعها وتعمل على خفضنا، نريد لها العز وتريد لنا الذلّ، نتوجه إليها بالاحترام وتتوجه لنا بالاحتقار، نأتيها بالجد وتأتينا بالاستهزاء”.

ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة عن فشل وهشاشة طرح الفدرالية في لبنان، هي يوغوسلافيا.

بعد الحرب العالمية الأولى عام 1918، قرّر الحلفاء (فرنسا وبريطانيا) جمع شعوب جنوب السلاف في دولة واحدة كبيرة لتكون حاجزاً ضد ألمانيا، ومنحوا الحكم للصرب لأنهم كانوا في صف الحلفاء.

وخلال الحرب العالمية الثانية، استغلت ألمانيا النازية الخلافات بينهم لاحتلال يوغوسلافيا؛ فمنحت الكروات دولة مستقلة، واقتسمت سلوفينيا مع إيطاليا، وأبقت صربيا تحت احتلال عسكري مباشر، كما شجعت الانتقام المتبادل: فارتكب الكروات (الأوستاشا) مجازر ضدّ الصرب، وردّ الصرب (الشيتنيك) بمجازر ضدّ الكروات والبوسنيين.

وبين عامي 1941 و1945 اندلعت حرب أهلية طاحنة بينهم. وفي عام 1945 أصبح تيتو رئيساً، فحوّلها إلى دولة فيدرالية من ستّ جمهوريات لإرضاء الجميع: صربيا، وكرواتيا، وسلوفينيا، والبوسنة، ومقدونيا، والجبل الأسود، بالإضافة إلى مقاطعتين تتمتعان بحكم ذاتي داخل صربيا هما كوسوفو وفويفودينا.

وهذا يعني أنّ ألمانيا النازية زرعت البذرة عام 1941، واليوغوسلاف أنفسهم حصدوا الانهيار عام 1991.

وعلى النقيض من التجربة الفرنسية، التي فصلت الدين عن الدولة فعززت وحدتها بقانون عام 1905، فنصّ على أنّ الجمهورية لا تعترف بأيّ دين ولا تموّله، ولا تتدخل الأديان في شؤونها، وحُصرت الممارسة الدينية في المجال الخاص وعلى نفقة المؤمنين. ولكن المشرّع اللبناني أخذ شكل الدولة الفرنسي (جمهورية، برلمان، مجلس دستوري)، لكنه رفض جوهر قانون 1905 الفرنسي، وأبقى الدين شريكاً في إدارة الدولة بدلاً من فصله عنها؛ لأنّ من كتب الدستور لم يكن هدفه حلّ مشكلة الأديان، لأنّ الدستور كتبه الانتداب الفرنسي سنة 1926، فدولة علمانية موحدة في لبنان كانت ستطالب بالاستقلال فوراً، أما دولة من 18 طائفة متناحرة فستحتاج دائماً إلى فرنسا كحَكَم. فعلى الرغم من معرفة نتيجة حكم الدين للدولة، وضع الدستور اللبناني على أساس تكريس الطائفية والمذهبية.

مما سبق يتضح أنّ فرنسا عندما فصلت الدين عن الدولة، لا تزال قائمةً حتى اليوم كدولة، في حين أنّ يوغوسلافيا زالت من الوجود بعد تطبيقها النظام الفيدرالي. وهذا دليل قوي على أنّ الفيدرالية في كانتون طائفي ليست حلاً، بل مشروع تقسيم مؤجل. وهنا يطرح السؤال الجوهري: لماذا يعمد البعض إلى تشتيت وعي الشعب وبث أفكار فرعية عبر مؤتمرات ومشاريع سياسية زائفة، لا تخدم سوى التقسيم بدل الوحدة؟ ومن هو المستفيد الأول من هذه السياسات…؟

captcha