kayhan.ir

رمز الخبر: 230496
تأريخ النشر : 2026September25 - 19:43

أميركا تكتشف محدوديّة قدرتها مع حظر الطيران الإيراني

يمثّل قطاع الطيران البيئة الأكثر ملاءمة لواشنطن لاستعراض قدرتها على إحكام العقوبات وضمان التزام الدول بها؛ فشبكة الطيران العالمية تقوم على منظومة شديدة المركزية، تمسك الولايات المتحدة بعدد كبير من مفاتيحها، من صناعة الطائرات وقطع الغيار وبرامج الصيانة، إلى التأمين وإعادة التأمين والتسويات المالية وخدمات المطارات. لذلك تستطيع واشنطن أن تضع الحكومات وشركات الطيران أمام كلفة فورية ومرتفعة لمخالفة قراراتها، وهي قدرة لا تتوافر لها بالمستوى نفسه في قطاعات مثل النفط والتجارة البرية والبحرية، حيث البدائل أوسع وطرق الالتفاف أكثر تنوّعاً. ومن هنا يبدو اختيار الطيران الإيراني ميداناً للعقوبات محاولة لتقديم نموذج ناجح عن قوة الحصار الأميركيّ، وإظهار أن واشنطن ما زالت قادرة على فرض الانضباط على حلفائها وخصومها، حتى عندما تعجز عن تحقيق النتيجة ذاتها في مجالات أخرى. إضافة إلى أن مسرح الطيران مكشوف ويسهل التحقق من الامتثال فيه، وتشكل العقوبات الأميركيّة فيه مصدر ألم لا تجد أغلب دول العالم سبباً لتحمله.

– دخلت العقوبات الأميركية الجديدة على قطاع الطيران الإيراني حيّز التنفيذ تحت عنوان كبير أطلقه وزير الخزانة سكوت بيسنت، ومفاده أن شركات الطيران الإيرانية سوف تتوقف عن العمل حول العالم. ولم تكتفِ واشنطن بإدراج جميع شركات الطيران الإيرانية على لوائح العقوبات، بل هدّدت المطارات وشركات الوقود والصيانة والخدمات الأرضية ووكالات بيع التذاكر والمصارف التي تتعامل معها بالعزل عن النظام المالي القائم على الدولار. والهدف واضح، تقديم صورة توضح حجم قوة منظومة العقوبات الأميركيّة وتسبّب عزل إيران عن الخارج، عبر تحويل العقوبات الأميركية من قرار وطنيّ لا يلزم سائر الدول إلى حصار عالميّ تفرضه قوة الدولار والخوف من العقوبات الثانوية، في ساحة تفوق أميركية محسومة.

– حققت الحملة الأميركية نتائج ملموسة، لكنها لم تحقق الصورة التي أعلنها بيسنت. فقد أوقفت سلطنة عُمان استقبال رحلات ماهان إير إلى مسقط، وألغيت رحلات إلى بغداد، كما أوقفت تركيا رحلات ماهان إلى إسطنبول وأنقرة. وسجلت إلغاءات أخرى في جورجيا وأذربيجان، وسط غموض حول ما إذا كانت القرارات تشمل جميع الشركات الإيرانية أم تقتصر على ماهان، التي تتهمها واشنطن بتقديم خدمات للحرس الثوري. وقالت إيران إير إنّها لم تتلقَّ تبليغاً رسمياً شاملاً من تركيا أو أذربيجان أو العراق بوقف رحلاتها، ما يدلّ على أن بعض الحكومات فضّلت الالتزام الجزئيّ والانتقائيّ على إعلان مقاطعة كاملة.

– تبدو تركيا النموذج الأوضح للمنطقة الرمادية. فإسطنبول هي المطار الأنسب لتحويل المسافرين الإيرانيين إلى أوروبا وأميركا وأفريقيا، بسبب قربها من طهران وضخامة شبكة الخطوط التركية. لكن أنقرة مرتبطة بالنظام المالي الغربي، وتستخدم شركاتها طائرات ومكونات أميركية، ولذلك يصعب عليها تحدي العقوبات علناً. أوقفت ماهان إير، لكنها لم تعلن حتى الآن إغلاق المجال التركي أمام جميع الشركات الإيرانية. وقد تحاول الاحتفاظ بعدد محدود من الرحلات، أو التفاوض مع واشنطن على استثناءات، بدلاً من خسارة السوق الإيرانية أو الدخول في مواجهة مالية مفتوحة.

– الإمارات تقف في منطقة رمادية مشابهة. فقد بقيت رحلات إيرانية إلى دبي مدرجة بعد بدء تنفيذ العقوبات، لكن أبوظبي لا تبدو مستعدة لتحويل دبي إلى منصة لتحدّي واشنطن، خصوصاً بعدما اتخذت خطوات لتقليص علاقاتها التجارية والمالية مع إيران. وينطبق الغموض ذاته على العراق، حيث أوقفت رحلات بغداد بينما بقيت رحلات النجف مقررة، وبدأ البحث في تحويل قسم من حركة الطيران الإيراني إليها. إلا أن النجف تستطيع أن تكون بوابة إقليمية للحجاج والمسافرين، ولا تملك شبكة تجعلها مركز ترانزيت عالمياً.

– في المقابل تشكل الصين وروسيا جبهة الرفض الصريحة. أعلنت بكين أن العقوبات الأميركية الأحادية غير شرعيّة ولا تستند إلى قرار من مجلس الأمن، ثم ترجمت موقفها عملياً باستقبال رحلة لماهان إير في مطار غوانغجو بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ. كما استمرت الرحلات الإيرانية إلى موسكو مع بيان عدم التزام واضح. وتملك الدولتان الحماية السياسية والمالية اللازمة لمقاومة الضغط الأميركي، لكن المسافة الطويلة إلى الصين وضعف شبكة الربط بين روسيا والغرب بعد حرب أوكرانيا يمنعان غوانغجو وموسكو من الحلول الكامل مكان إسطنبول ودبي.

– المفاجأة الأهم جاءت من باكستان، التي أعلنت رسمياً أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بالعقوبات الأميركية الأحادية ما لم تصدر عن مجلس الأمن، وأكدت أنها ستواصل علاقاتها التجارية مع إيران وفق القانون الدولي والاتفاقات الثنائية. ولم يبقَ الموقف الباكستاني في حدود الكلام، فقد استمرت رحلة ماهان إير بين طهران ولاهور بعد بدء تطبيق العقوبات. وهذا يجعل باكستان مؤهلة لأداء دور يتجاوز استقبال الرحلات إلى التحوّل لممرّ جوي إيراني بديل، خصوصاً أنّها شريك في الوساطة السياسية التي أنتجت مذكرة تفاهم إسلام آباد بين واشنطن وطهران.

– تبدو لاهور المرشح الفوريّ لأنها تستقبل خطاً إيرانياً قائماً، بينما تملك كراتشي المزايا الأهم إذا تقرّر إنشاء مركز ترانزيت منظم بسبب القرب النسبيّ من إيران، ومطار تجاري كبير، وشبكة نحو الخليج وآسيا وأوروبا. أما إسلام آباد فتحتفظ بأهميتها السياسية للرحلات الرسمية وقنوات التفاوض. وبذلك تستطيع إيران بناء شبكة متعددة المستويات: موسكو للاتجاه الروسي وآسيا الوسطى، وغوانغجو للشرق الأقصى، ولاهور وكراتشي للرحلات القريبة والربط مع شركات أجنبية، مع محاولة إبقاء نافذة محدودة عبر إسطنبول ودبي.

– تكشف الحصيلة أن العقوبات الأميركية نجحت في رفع كلفة السفر الإيراني، وتقليص عدد الرحلات، وإخافة الشركات الخاصة التي تحتاج إلى الدولار والتكنولوجيا الأميركية. لكنّها أخفقت في تحقيق الإغلاق العالمي الذي توعّد به بيسنت. فالولايات المتحدة تستطيع فرض خيار صعب على الشركات والدول المرتبطة بنظامها المالي، لكنها لا تستطيع إجبار الصين وروسيا وباكستان على اعتبار القانون الأميركي قانوناً دولياً.

– الأهم أن العقوبات سوف تسرّع نشوء شبكات نقل وتمويل وخدمات موازية خارج المظلة الغربيّة. وكما دفعت العقوبات الماليّة الدول المستهدفة إلى البحث عن عملات ومنظومات دفع بديلة، تدفع عقوبات الطيران اليوم نحو بناء ممرات جوية ومطارات وسيطة وشركات خدمات لا تعتمد على المصارف الأميركية. ولذلك قد تربح واشنطن جولة تعطيل مؤلمة، لكنها تدفع خصومها وحلفاءهم إلى بناء عالم أقل ارتباطاً بها. وعندما تصبح لاهور وغوانغجو وموسكو بدائل عن إسطنبول ودبي، يكون الحصار قد ضيّق حركة إيران، لكنه يكون قد وسّع في الوقت نفسه جغرافيّاً التمرد على العقوبات الأميركية، ولعل الدرس الأميركي الأهم هو اكتشاف نهاية مرحلة كان فيها الغضب الأميركي كافياً لدبّ الذعر في العالم.

captcha