التصعيد السعودي اليمني عشية نيويورك.. تحسين المواقع قبل العودة إلى التفاوض
– لا يبدو التصعيد المتبادل بين السعودية واليمن منفصلاً عن اقتراب اجتماعات نيويورك في الخامس والعشرين من أيلول، ولا عن تعثر مسار صلالة الذي أُجّل ولم يُلغَ. فالجبهات التي تحركت داخل اليمن، والغارات السعودية الكثيفة، ثم انتقال الرد اليمني من الحدود والمنشآت النفطية إلى الرياض وينبع، تشكل بمجموعها محاولة متبادلة لإعادة رسم ميزان التفاوض قبل الجلوس إلى الطاولة.
– داخل اليمن، بدأ التصعيد بمحاولة سعودية لتغيير الوقائع التي ترتبت على تقدم قوات صنعاء في الساحل الغربي، ولا سيما المخا وذوباب وميون، وما يعنيه ذلك من سيطرة عملياتية على باب المندب. وقام الرهان السعودي على أن الإنجاز اليمني لا يزال طرياً، وأن القصف الجوي مع تحريك جبهات مأرب وتعز ولحج يمكن أن يمنع تثبيته أو يفرض على صنعاء الانكفاء عنه. لكن مرور الأيام من دون هجوم معاكس قادر على استرداد المواقع كشف حدود الرهان. فقد بقيت الغارات الجوية دون مستوى إنتاج تحول بري، بينما واصلت قوات صنعاء الضغط في مأرب وتعز، واحتفظت بمواقعها الجديدة على الساحل.
– بلغت المواجهات منذ مطلع أيلول مستوى دموياً مرتفعاً؛ إذ تحدثت منظمة الصحة العالمية عن أكثر من 500 ضحية ونحو 2400 جريح، وتركزت المعارك في الساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج. وهذه الأرقام تؤكد أن ما يجري ليس مجرد تبادل رسائل محدودة، بل جولة حقيقية لإعادة اختبار ميزان القوى داخل اليمن.
– التحول الأهم وقع عندما قررت صنعاء نقل المواجهة إلى العمق السعودي. فبعد استهداف أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، أعلنت استهداف مواقع حساسة في الرياض ومنشآت أرامكو في ينبع، إضافة إلى الطائف وبيش وفرسان. وأكدت السعودية اعتراض صاروخ باليستي متجه إلى الرياض، فيما شوهد دخان قرب مطار الملك خالد، من دون إعلان سعودي عن إصابات أو أضرار مباشرة. أما إصابة منشآت ينبع وبقية الأهداف فبقيت ضمن الرواية اليمنية ولم تثبت بصورة مستقلة.
– الرسالة اليمنية واضحة. إذا كان الهدف السعودي من الغارات تحسين موقعه التفاوضي، فإن صنعاء تستطيع توسيع كلفة التصعيد لتشمل أمن العاصمة والمطارات ومنشآت النفط ومسار التصدير البديل عن هرمز. ومع تعطل جزء كبير من العبور عبر مضيق هرمز، أصبح ينبع وخط شرق – غرب أكثر حساسية من أي وقت مضى. لذلك لا تعود الضربة، أو حتى احتمال تكرارها، حدثاً عسكرياً محلياً، بل تهديداً مباشراً للخطة السعودية والأميركية التي تراهن على تعويض النفط المحتجز في الخليج (الفارسي)عبر البحر الأحمر.
– رد فعل الأسواق قدم المؤشر الأسرع. فقد تراجع مؤشر السوق السعودية، وانخفض سهما أرامكو والبنك الأهلي، وامتد القلق إلى أسواق خليجية أخرى. وهذا يعني أن الرياض لا تستطيع التعامل مع الحرب باعتبارها غارات فوق اليمن فقط؛ لأن صنعاء نجحت في نقل الخطر إلى الاقتصاد السعودي نفسه.
– في المقابل، لا يبدو أن السعودية تريد حرباً مفتوحة يستطيع اليمن إطالتها ولا تستطيع الرياض ضمان نهايتها. أما طلب المساعدة الدفاعية من دول إقليمية وأوروبية، مع رفض واشنطن الانخراط المباشر في حرب جديدة ضد أنصار الله، فيكشف أن السقف السعودي هو الضغط لتحسين الشروط، لا الذهاب إلى حرب وجودية. كما أن استدعاء اتفاقات الدفاع مع تركيا وباكستان لا يحل المعضلة الأساسية؛ فالسعودية قد تحصل على بطاريات إضافية أو دعم تقني، لكنها لا تحصل على ضمانة لمنشآتها النفطية ومطاراتها ومدنها أمام حرب صواريخ ومسيّرات ممتدة.
– الجواب هو أن الطرفين يحاولان تحسين موقعيهما قبل نيويورك. السعودية تريد القول إن تثبيت سيطرة صنعاء على باب المندب ليس أمراً مسلماً به، وإن أية تسوية يجب أن تتضمن قيوداً على القوة اليمنية وانسحاباً من المواقع الجديدة وضماناً لأمن المنشآت السعودية. أما صنعاء فتريد الوصول إلى التفاوض بعد إثبات ثلاثة أمور: أن إنجاز باب المندب غير قابل للإلغاء بالقصف، وأن أمن السعودية لا ينفصل عن وقف الحرب على اليمن، وأن فتح طرق النفط لا يمكن أن يتم باتفاق ملاحي منفصل عن التسوية السياسية.
– لكن ميزان الجولة يميل إلى صنعاء. السعودية عجزت حتى الآن عن إنتاج هجوم بري يستعيد ما خسرته، بينما استطاع اليمن توسيع مسرح المواجهة من باب المندب إلى ينبع والرياض. وهكذا تحوّلت محاولة تحسين الوضع التفاوضي السعودي إلى مناسبة لإثبات أن كلفة الهروب من التسوية أكبر من كلفة العودة إليها.
– لذلك فإن التصعيد لا يلغي صلالة، بل يعيد فتح الطريق إليها بشروط أكثر واقعية. اجتماعات نيويورك قد تشكل مظلة سياسية لوقف متبادل للنار، يعقبه إحياء المسار اليمني – السعودي بالتوازي مع التفاهم الإيراني – الخليجي. وكلما طال التصعيد، ازداد اقتناع الرياض بأن حماية أمنها لا تبدأ من سماء صنعاء، بل من طاولة التفاوض.
البناء