kayhan.ir

رمز الخبر: 230315
تأريخ النشر : 2026September21 - 23:22

بين الحقبة السعودية والحقبة الإسرائيلية.. الحقبة اليمنية قادمة

 

ناصر قنديل

 لا تُقاس ولادة القوى الإقليميّة بحجم ترسانتها وحده، بل بقدرتها على الجمع بين الجغرافيا والسكان والهوية السياسية والإرادة القتالية والاستقلال في اتخاذ القرار. وبهذا المقياس يبدو اليمن مرشّحاً لأن يكون مركز الثقل العربي الجديد، بعدما وصلت الحقبة السعودية إلى حدودها التاريخية، وفشلت “إسرائيل” في تحويل تفوقها العسكري والتقني إلى قيادة مقبولة للمنطقة. ليست المسألة أن اليمن سيحل مكان السعودية اقتصادياً أو ينافس “إسرائيل” تكنولوجياً، بل إنه يقدم نموذجاً مختلفاً للقوة، يقوم على امتلاك قرار الحرب والسلام، وربط القوة العسكرية بقضية تحظى بشرعية شعبية عربية واسعة، وفي مقدّمتها فلسطين.

كشفت تجربة 2014 ومطلع 2015 أن أنصار الله لم يكونوا مجرد قوة محليّة توسّعت مستفيدة من فراغ سياسي، بل القوة اليمنية الوحيدة القادرة على فرض معادلة وطنية شاملة. فقد انتقلوا من صعدة إلى صنعاء، ثم امتد حضورهم باتجاه الساحل والجنوب وصولاً إلى باب المندب، من دون أن تواجههم قوة داخلية منظمة قادرة على وقف تقدمهم. فرّ الرئيس عبد ربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن، ثم غادر عدن مع اقتراب قوات أنصار الله وحلفائهم، قبل أن يبدأ التدخل السعودي في 26 آذار 2015. وكانت المواجهات المحلية القائمة محدودة ومفككة، وفي الوقت نفسه، لم يكن باب الحل السياسيّ مغلقاً؛ فقد كانت المفاوضات التي رعاها المبعوث الأمميّ جمال بنعمر تتقدّم نحو صيغة اتفاق على تقاسم السلطة وترتيب المرحلة الانتقاليّة عندما بدأت الحرب. وبذلك لا تثبت وقائع تلك المرحلة أن اليمن كان منقسماً بالتساوي بين قوتين، بل تثبت أن التدخل السعوديّ قطع مساراً كان يتجه إلى تكريس أنصار الله قوة مركزية في الدولة من خلال تسوية سياسية، بعدما عجز خصومهم في الداخل عن منع تقدمهم ميدانياً. وقد أكد بنعمر لاحقاً أن المحادثات كانت قريبة من نهايتها عند بدء التدخل، فيما توثق الوقائع فرار هادي إلى السعودية عشية انطلاق الحملة.

وتتكرر الدلالة اليوم. فقد أظهر انهيار أكثر من خمسة عشر لواء ونحو ثلاثين ألف مقاتل في الساحل الغربي أن كثرة التشكيلات والعتاد لا تصنع قوة متماسكة حين يغيب المشروع السياسي والقرار الموحّد والقاعدة الشعبية. التحقيقات التي بدأت داخل المعسكر المناهض لأنصار الله نسبت الانهيار إلى الانقسامات وضعف القيادة والمعنويات، أكثر مما نسبته إلى نقص الرجال والسلاح. وفي المقابل، تمكنت قوات صنعاء من التقدم نحو المخا وذوباب وميون وباب المندب خلال فترة وجيزة.

هذا يعني أن التدخل الخارجي لم يمنع أنصار الله من التحول إلى القوة اليمنية الأكبر، بل أطال زمن الحرب ورفع كلفتها ومنح خصومهم حياة سياسية وعسكرية لم يكونوا قادرين على ضمانها بقواهم الذاتية. كما منح أنصار الله، في المقابل، فرصة تاريخية لبناء مؤسسات عسكرية وأمنية وتكنولوجية واختبارها في حرب طويلة.

منذ عام 2015 خاض اليمن حرباً مع تحالف تقوده السعودية وتشارك فيه دول تملك أحدث الطائرات ومنظومات الاستطلاع والذخائر الغربية. كان المتوقع أن تسقط صنعاء خلال أسابيع، لكن الحرب امتدت سنوات وانتهت إلى معادلة ردع جعلت المنشآت النفطية والمطارات والمدن السعودية في مدى الصواريخ والمسيّرات اليمنية. لم ينجح الحصار في إسقاط السلطة، ولم تنجح الغارات في تفكيك بنيتها العسكرية، ولم تنتج القوى المحلية المدعومة خارجياً بديلاً قابلاً للحياة.

ثم جاءت جبهة إسناد غزة لتكشف انتقال اليمن من قوة محلية صلبة إلى قوة إقليمية مؤثرة. القرار نفسه كان استثنائياً؛ فدولة محاصرة وفقيرة ومنهكة بالحرب اختارت فتح مواجهة بحريّة وصاروخيّة دفاعاً عن فلسطين، بينما اكتفت حكومات عربية أغنى وأقوى بإصدار البيانات. لم يكن ذلك موقفاً رمزياً. فقد تعرّض اليمن لغارات أميركية وبريطانية وإسرائيلية، وأُعلنت حملات هدفها تدمير منصات الصواريخ والمسيّرات ووقف عمليات البحر الأحمر، والأهم أن صنعاء خرجت من المواجهة محتفظة بقرارها وسلاحها وقدرتها على فرض الشروط. لم تتراجع عن ربط أمن الملاحة بوقف العدوان على غزة، ولم تستطع الولايات المتحدة أو “إسرائيل” فرض معادلة تجعل اليمن يتلقى الضربات من دون رد. واضطرت واشنطن للاعتراف بذلك والخروج من البحر الأحمر بينما يواصل اليمن حرب إسناد غزة، ومع انتقال السيطرة العملياتية إلى باب المندب، لم يعد اليمن يهدد السفن منفردة فقط، بل أصبح يمسك بالجغرافيا التي تتحكم بمدخل البحر الأحمر.

هنا تبدأ القيمة الاستراتيجية للجغرافيا اليمنية، حيث تبلغ مساحة اليمن نحو 455 ألف كيلومتر مربع، أي إنه أكبر من العراق وألمانيا واليابان، ويملك شريطاً ساحلياً طويلاً على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب. وهو يشرف على باب المندب الذي يصل المحيط الهنديّ بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. وكان نحو 12 في المئة من التجارة العالميّة يعبر هذا المسار قبل اضطرابه، وأدّى التهديد اليمني إلى زيادة تدفقات النفط والمشتقات المتجهة حول رأس الرجاء الصالح بنسبة 47 في المئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024. وفي ظل تعثر الملاحة عبر هرمز، تتضاعف قيمة باب المندب. فاليمن يقف على الضفة المقابلة للقرن الأفريقي، ويطل على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، ويستطيع التأثير في صادرات النفط السعودية المتجهة عبر ينبع والبحر الأحمر. وإذا كانت إيران تمسك بالضفة الشمالية الشرقية للخليج ومضيق هرمز، فإن اليمن يتحوّل إلى قوة مقابلة على البوابة الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة. بهذا المعنى يمكن وصفه بأنه «إيران عربية ثانية» من حيث الوظيفة الاستراتيجية، لا من حيث الهوية أو التبعية السياسية. بينما يتجاوز سكان اليمن اليوم، وفق التقديرات المختلفة، 35 إلى 40 مليون نسمة، وتسيطر صنعاء على المساحة الأكثر كثافة سكانية، بما فيها العاصمة ومحافظات المرتفعات والحديدة. ووجود أكثر من ثلاثين مليوناً داخل مناطق سيطرة أنصار الله ليس رقماً عادياً، فهذه الكتلة ليست مجرد رقم ديموغرافيّ. إنها مجتمع شاب، معتاد على السلاح، راكم خبرة حرب امتدت أكثر من عقد، وخضع لعملية تعبئة سياسية وعقائدية واسعة. وقدّرت لجنة خبراء أممية عدد المقاتلين الذين يمكن لأنصار الله حشدهم بنحو 350 ألفاً، وهو رقم يجعلهم في مرتبة الجيوش الكبيرة إقليمياً.

أما التظاهرات الأسبوعية التي ملأت ساحات صنعاء وصعدة والحديدة وإب وعمران وذمار دعماً لغزة، فتكشف أن فلسطين لم تعد شعاراً خارجياً في خطاب صنعاء، بل صارت جزءاً من هوية سياسية جامعة. وهنا يقع التحول الأهم. فقد عرفت المنطقة قوى عربية مواجهة قبل اليمن؛ سورية في عهد الرئيس حافظ الأسد ثم الرئيس بشار الأسد شكلت دولة مواجهة، لكنها بقيت محكومة ببنية دولة مركزيّة وجيش تقليدي وقاعدة شعبية تعرضت لاحقاً لانقسامات عميقة. وعراق صدام حسين امتلك جيشاً كبيراً وموارد نفطية، لكنه ربط القوة بسلطة شديدة المركزية انتهت بانهيار الدولة بعد الغزو. أما عراق اليوم فيملك السكان والموارد، لكن قراره موزع بين مؤسسات وتيارات وضغوط خارجيّة. ولبنان يملك مقاومة ذات قدرة نوعية، لكنه بلد صغير شديد الانقسام، ولا تستطيع المقاومة أن تتحوّل بمفردها إلى دولة إقليمية كبرى.

اليمن يقدم تركيبة مختلفة: مساحة واسعة، سكان كثيرون، عمق جبليّ يحمي القوة العسكرية، سواحل تتحكم بممر دولي، قاعدة اجتماعية مقاتلة، قيادة موحّدة، خبرة في تصنيع الصواريخ والمسيّرات، واستعداد لتحمل أثمان مرتفعة. ويضاف إلى ذلك وجود إمكانات نفطية وغازية ومعدنية لم تُستثمر على نحو كافٍ بسبب الحرب وضعف الدولة، يصفها تقرير جيولوجي أميركي بسعودية نفطيّة أخرى نائمة.

انتهاء الحقبة السعودية لا يعني زوال السعودية أو فقرها، بل انتهاء قدرتها على قيادة النظام العربي بالمال والتحالف الأميركي. عشر سنوات من حرب اليمن أثبتت أن السلاح الغربي لا يعوض غياب العقيدة القتالية، وأن الثروة لا تنتج نفوذاً دائماً إذا بقي الأمن مرهوناً بالحماية الخارجيّة. السعودية تستطيع شراء الطائرات، لكنها لم تستطع صناعة قوة يمنية تقاتل عنها وتنتصر.

أما الحقبة الإسرائيلية فلن تبصر النور لأن “إسرائيل” تستطيع أن تدمّر، لكنها لا تستطيع أن تقود. هي تملك تفوقاً تقنياً واستخبارياً وجوياً، لكن مشروعها يقوم على الهيمنة والإخضاع والاحتلال، ولا يملك قابلية التحول إلى مركز مقبول لنظام إقليمي. وكل توسّع في التطبيع الأمني معها يزيد الفجوة بين الحكومات والشعوب بدلاً من بناء شرعية عربية لها.

اليمن، في المقابل، يستمد شرعيته الإقليمية من فلسطين، ويحوّل التضامن معها إلى فعل عسكري تتحمّل صنعاء كلفته. لذلك فإن صعوده لا يضيف دولة قوية فحسب، بل يغير نموذج القوة العربية الحكومية. لأول مرة تدخل دولة عربية فقيرة ومحاصرة حرباً إقليمية بإرادتها، وتفرض على واشنطن وتل أبيب والرياض حسابها، من دون أن تنتظر غطاءً عربياً أو دولياً.

 

الحقبة اليمنية لن تكون نسخة من الحقبة السعودية، ولن تقوم على شراء الولاءات أو وراثة مقعد قيادي رسمي. ستكون حقبة تأثير بالإكراه الاستراتيجي والقدوة السياسية. وسوف يبدأ حضورها من البحر الأحمر وباب المندب، ثم يمتد إلى أمن الخليج (الفارسي)والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا وقضية فلسطين.

 

هذا هو سبب القلق الأميركي والإسرائيلي. الخطر ليس صاروخاً يمنياً إضافياً ولا سفينة تغير مسارها، بل ظهور قوة عربية تجمع الدولة والمقاومة، السكان والجغرافيا، العقيدة والتكنولوجيا، وتثبت أن التفوق الغربي والإسرائيلي قابل للمواجهة. وعندما تدرك الشعوب العربية أن أفقر بلادها استطاع أن يفعل ما عجزت عنه أغناها، نكون فعلاً قد دخلنا الزمن اليمنيّ.

captcha