الهجوم على مكة في خضم حرب السرديات... ثلاثة خيوط لفك طلاسم اللغز
- إن حادثة الطائرة المسيرة الأخيرة جنوبي مكة، وبغض النظر عن تضارب الروايات حول مصدرها وهدفها وطبيعة تحليقها الدقيقة، سرعان ما تحولت من مجرد حدث أمني إلى أزمة سياسية عابرة للإقليم. فقد أعلنت المملكة العربية السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت طائرةً مسيرةً تُنسب لأنصار الله قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة؛ وهو ادعاء سارعت أنصار الله إلى نفيه جملةً وتفصيلاً.
وقد فنّدت حركة أنصار الله هذا الأمر على لسان عضو مكتبها السياسي، حزام الأسد، الذي صرح قائلاً: “إن مزاعم استهداف مكة ليست سوى كذبة مجترّة استُهلكت سابقاً، ولم تعد تنطلي على أحد”.
وفي الوقت ذاته، فإن الأهمية الدينية لمكة ومكانة بيت الله الحرام جعلت هذه الحادثة، في ظرف وجيز، تكتسب أصداءً تتجاوز بكثير حدود أي اشتباك عسكري اعتيادي.
وباتت العمليات التي تُعرف بـ “الراية الكاذبة” (False Flag)، والتي كثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة إبان حرب أوكرانيا وغيرها من صراعات الشرق الأوسط، تمثل اليوم أحد التكتيكات الرائجة لتمرير المآرب السياسية والدعائية.
ومن هنا يتشكل جوهر المسألة: إذا ما وضعنا هذه الحادثة في صميم مسار الحرب والتحولات السياسية في المنطقة، فأي الأطراف يجني ثمار تحويلها إلى أزمة دينية وإعلامية على نطاق أوسع؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لا تعني بالضرورة تحديد هوية منفذ الحادثة، بل تستوجب الغوص في الظروف والملابسات التي اكتنفت وقوع هذا الحدث.
الحرب في منعطف تتغير فيه موازين القوى
السياق الأول يتمثل في المسار الميداني للحرب في اليمن. ففي الأسابيع الأخيرة، أحرزت أنصار الله تقدمًا جوهريًا على الساحل الغربي لليمن، وبسطت سيطرتها، وفقاً للتقارير الواردة، على مدينة المخا ومواقع وجزر استراتيجية تخوم باب المندب؛ وهي تطورات لا تقتصر أهميتها على الجغرافيا الداخلية لليمن فحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما اعتبرت وكالة رويترز تقدم أنصار الله على ساحل البحر الأحمر والسيطرة على المخا، من التطورات المفصلية في المرحلة الجديدة للحرب.
في خضم هذه الظروف، لم تعد معادلة الحرب تقتصر على خطوط التماس البرية. فقد استحالت منطقة باب المندب وموانئ البحر الأحمر ومسارات تصدير الطاقة السعودية، إلى ساحات للضغط. وتزداد أهمية هذا الأمر حين ندرك أن الاضطرابات في مضيق هرمز قد وضعت صادرات النفط السعودي تحت وطأة الضغط، مما جعل الرياض أشدّ اعتماداً على البحر الأحمر لتأمين خطوط تصديرها.
وقد سلطت وسائل الإعلام الدولية الضوء على الارتباط الوثيق بين تقدم أنصار الله في الساحل الغربي لليمن، وبين التهديد المحدق بمسارات نقل النفط والملاحة السعودية في ميناء ينبع.
ولم يقتصر هذا التقدم الميداني على المناطق الاستراتيجية، بل امتد في الأيام الأخيرة ليشمل محافظة الجوف الحدودية مع السعودية، والتي أضحت تحت حصار اليمنيين، وهو ما سيجعل السعوديين من الآن فصاعداً في غاية القلق إزاء تقدم أنصار الله واحتمالية التوغل داخل الأراضي السعودية.
في غضون ذلك، لم تفضِ الغارات الجوية السعودية إلى أية نتيجة تذكر، كما أن التفوق الجوي المطلق للمملكة بدأ يتلاشى أمام القدرات المتطورة التي كشفت عنها صنعاء. فقد أعلنت أنصار الله يوم الأربعاء عن إسقاط طائرة حربية سعودية من طراز (F-15) في سماء محافظة مأرب.
وبثّت قناة المسيرة اليمنية مقطع فيديو يتضمن لقطات للرؤية الليلية توثّق لحظة إصابة صاروخ للمقاتلة. كما أظهرت صورة أخرى حطام الطائرة السعودية المتهاوية، وقد ارتسم العلم السعودي على ذيلها المتفحم.
وكانت أنصار الله قد تمكنت في وقت سابق، إبان اشتباكاتها مع الولايات المتحدة عام 2025، من إسقاط العديد من الطائرات المسيرة، بل وحتى مقاتلة أمريكية متطورة من طراز (F-18).
من هذا المنطلق، يبرز التساؤل الجوهري: هل كان استهداف مكة ليحقق لأنصار الله مكسباً يوازي الأثمان السياسية والدينية الباهظة المترتبة عليه؟ بطبيعة الحال، لا. فأنصار الله تمتلك في ساحة المعركة أدوات شتى لممارسة الضغط على السعودية وتغيير المعادلة العسكرية والاقتصادية، وقد صعدت في الأسابيع الأخيرة من هجماتها على البنية التحتية السعودية وضاعفت ضغوطها على مسارات تصدير الطاقة. وعليه، فإن إضفاء طابع استراتيجي محدد على حادثة مكة، يتجافى مع المنطق العسكري والاستراتيجي للحرب.
في المقابل، فإن تحويل هذا الحدث إلى قضية تتخطى حدود حرب اليمن قد يخلق للرياض رصيداً سياسياً؛ إذ تنحرف البوصلة من “الصراع مع أنصار الله” لتتجه نحو “حماية أمن المقدسات الإسلامية”. وهو الإطار ذاته الذي شدّد عليه المتحدث باسم التحالف السعودي، معتبراً أمن مكة والحجاج “خطاً أحمر”.
الصراع على كسب الرأي العام في العالم الإسلامي
المحور الثاني يتمثل في الرأي العام للعالم الإسلامي. فمكة ليست مجرد بقعة جغرافية في السعودية؛ بل هي الرمز الديني الجامع لملايين المسلمين في شتى بقاع الأرض. ولذا، فإن أي حادث أمني يقع في تخومها سرعان ما يتجاوز كونه نزاعاً سياسياً، ليتحول إلى قضية وجدانية ودينية بامتياز.
وهنا أيضاً، تبرز هوة شاسعة بين حقيقة الحادثة والسردية المحاكة حولها. فقد سعت السعودية جاهدةً لبناء سرديتها على أساس أن هناك هجوماً شنته أنصار الله واستهدف أقدس بقاع المسلمين. في المقابل، وصف قادة أنصار الله هذا الاتهام بأنه “أكذوبة دعائية”، مؤكدين أن استهداف مكة لم يكن قط مدرجاً على جدول أعمالهم. وحتى إيران، وفي معرض إدانتها لأي مساس بالأماكن المقدسة، أكدت أن مجرد الادعاء باعتراض طائرة مسيرة كانت متجهةً نحو مكة، لا يكفي لإلصاق التهمة بطرف بعينه. ويعكس هذا التباين في الروايات، أن الشطر الأكبر من المعركة تدور رحاه اليوم في ميدان الإدراك والشرعية.
فقد دأبت أنصار الله خلال السنوات الماضية على إبراز دورها في مساندة فلسطين ومناهضة الحرب على غزة، وهو موقف لاقى صدى واسعاً لدى شريحة كبيرة من الرأي العام العربي والإسلامي، بل وحتى لدى الشعوب غير المسلمة في أرجاء العالم. وفي المقابل، فإن علاقات السعودية وتعاونها الأمني مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، ولا سيما تقاعس الرياض وحلفائها في الجامعة العربية عن إيقاف جرائم الكيان الصهيوني بحق شعب غزة المظلوم، قد مهّد الطريق لتصاعد الانتقادات الموجهة ضد سياسات الرياض.
بناءً على ما سبق، فقد أسلمت السعودية، وبصورة جلية، قياد حرب السرديات في مجال المواجهة الناعمة لليمن، ومن هذا المنطلق، تشكّل حادثة مكة فرصةً ذهبيةً لتعويض هذا الإخفاق وتوجيه ضربة لصورة أنصار الله.
بل إن بيان وزارة الخارجية السعودية ذهب إلى أبعد من ذلك، متحدثاً عن “تكرار ممارسات استهداف الأماكن المقدسة واستفزاز مشاعر المسلمين في كافة أصقاع العالم”.
وفي هذا البيان، تناشد المملكة المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم إزاء هجمات صنعاء على الأماكن المقدسة والأعيان المدنية والاقتصادية وتهديد حرية الملاحة، محاولةً بذلك ربط قضية الحرب بمسألة الدفاع عن أمن الحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاج.
ويكتسي هذا السيناريو أهميةً بالغةً، لا سيما في توجيه وتهيئة شريحة من الرأي العام الإسلامي، ونقصد هنا باكستان ومصر.
تُعد باكستان ومصر قوتين عسكريتين وازنتين في العالم الإسلامي، وتربطهما علاقات عسكرية وأمنية وثيقة بالسعودية. كما أن الرأي العام في هذين البلدين، ونظراً لتجذر النزعات الدينية ووجود مرجعيات سنية كبرى كالأزهر والمدارس الدينية، سريع التأثر والانفعال بأحداث من قبيل استهداف الأماكن المقدسة. غير أن المفارقة تكمن في أن الرأي العام في هذين البلدين لم يكن يوماً نصيراً لإشعال السعودية فتيل الحرب في اليمن (عدوان السنوات السبع)، كما أن حكومتيهما، ورغم مشاركتهما الصورية في تحالف العدوان على اليمن عام 2015، أحجمتا عن أي انخراط فعلي مؤثر.
أما اليوم، فإن طبيعة الرد الباكستاني على حادثة مكة جاءت منسجمةً تماماً مع تطلعات الرياض. فقد أدان رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، في منشور له على منصة “إكس”، هذا الهجوم الجبان، معرباً عن استنكاره بأشد العبارات الممكنة لهذا العمل الإجرامي والشنيع بالطائرات المسيرة باتجاه المسجد الحرام في مكة. من جهته، صرح رئيس مجلس علماء باكستان، محمد طاهر محمود أشرفي، بأن أمن واستقرار المملكة العربية السعودية يمثّل “خطاً أحمر”، مشدداً على أنه لن يُسمح بتجاوزه.
وعليه، فإن إضفاء هالة من القدسية على الحادثة ينطوي على قدرة هائلة لتحويل مسار النقاش من تقييم الأداء العسكري والسياسي للأطراف إلى قضية الدفاع عن المقدسات؛ وهو تحول من شأنه أن يترك بصمته على مواقف الحكومات والرأي العام في الدول الإسلامية.
مكة وإشكالية بناء التحالفات الإقليمية
يعود المحور الثالث إلى معادلة التحالفات. فقد سعت السعودية في السنوات الأخيرة، مستندةً إلى علاقاتها مع واشنطن، وادعائها ريادة مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، وعبر شراكات عربية وترتيبات أمنية مستحدثة مع دول كباكستان وتركيا، إلى نسج شبكة من الدعم الإقليمي والدولي.
لكن، وعلى الرغم من انضواء السعودية في كافة تلك المواثيق الإقليمية والدولية، فإنها لم تحصد عملياً أي نجاح يذكر في بلورة تحالف ناجع قادر على حمايتها ومساندتها في حربها مع اليمنيين. ويأتي هذا في وقت تمكّن فيه التحالف الإقليمي لمحور المقاومة من المواءمة بين معادلة مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وتضافر جهود القوى من لبنان إلى العراق، ومن الخليج الفارسي إلى سواحل البحر الأحمر، ليدير ساحة المعركة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني باقتدار، سواء على الصعيد العسكري والأمني، أو في غمار الحرب الاقتصادية.
في خضم هذا المشهد، يأتي الهجوم على مكة، بوصفها أقدس بقاع المسلمين، ليمدّ طوق النجاة للطرف الذي أخفق في ميدان بناء التحالفات. بعبارة أخرى، يُراد للمكانة المقدسة لمدينة مكة أن ترقع ثوب العجز في قدرة الرياض على حشد التحالفات الجيوسياسية، وأن تساهم في بلورتها.
القضية الجوهرية: من يمسك بزمام السردية؟
لقد بلغت حرب اليمن مرحلةً بات فيها الرأي العام، والشرعية السياسية، ومسارات الطاقة، والتحالفات الإقليمية، ساحات للمنافسة جنباً إلى جنب مع جغرافيا ميادين القتال. وفي حرب ضارية كهذه، يمكن لمكة أن تتحول من مجرد موقع جغرافي إلى أيقونة سياسية؛ أيقونة لا تكمن قيمتها بالنسبة للأطراف المتصارعة في القوة العسكرية المباشرة، بل في قدرتها الكامنة على تغيير إدراك المسلمين وهندسة التحالفات السياسية.
لذا، يستحيل استيعاب أبعاد حادثة مكة بمنأى عن هذا المشهد البانورامي الشامل. ولم يعد السؤال النهائي يقتصر على: “من أين أتت الطائرة المسيرة؟”، بل يجب أن يتمحور حول: “لصالح أي معادلة سياسية وعسكرية ستُصاغ وتُرسّخ سردية هذه الطائرة في نهاية المطاف؟”. ففي حربٍ تتغير موازينها الميدانية بوتيرة متسارعة، يمكن للسيطرة على السردية أن تكتسي أهميةً تضاهي السيطرة على ميناء حيوي أو جزيرة استراتيجية.
الوقت