جلسة اليومين كشفت المستور: لبنان أمام أزمة نظام لا أزمة حكومة؟!
عباس المعلم
ما جرى خلال يومين من مساءلة الحكومة اللبنانية في مجلس النواب لا يمكن اختزاله باستعراض خطابي، ولا بمحاولة تسجيل نقاط سياسية، ولا حتى بعرض عضلات داخلي يُراد للخارج أن يراه. كما أنّ تفسير المشهد باعتباره انعكاساً لتوازنات سياسية جديدة، وإن أصاب جزءاً من الحقيقة، يبقى عاجزاً عن ملامسة جوهر الأزمة: لبنان يعاني عطباً بنيوياً في صيغة إنتاج السلطة نفسها، وفي العلاقة بين الدستور والطوائف والمؤسسات وموازين القوى.
المشكلة أعمق من حكومة تتعثر، أو مجلس نيابي يتشظى، أو رئاسة تضعف، أو أكثرية تتبدّل. إنها أزمة نظام استطاع في مراحل معينة أن يبدو متوازناً، لكن هذا التوازن كان في جانب منه نتاج مظلات وتسويات ووصايات خارجية كانت تضبط تناقضاته أكثر مما كانت المؤسسات الدستورية نفسها تفعل. وحين تتراجع تلك المظلات أو تتبدّل مصالحها، تظهر هشاشة البنية الداخلية كاملة: شراكة مضطربة، مؤسسات قابلة للتعطيل، ودستور تتنازع القوى على تفسيره بقدر ما تتنازع على تطبيقه.
حتى اتفاق الطائف، الذي أُريدَ له أن يكون بوابة العبور من الحرب إلى الدولة، حمل في نصه مشروعاً لإلغاء الطائفية السياسية تدريجياً، وإنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، بقيَت هذه التحوّلات الجوهرية معلقة، فيما استمرّ الجزء الطائفي من النظام أكثر رسوخاً من مساره الإصلاحي.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: النظام أعلن منذ ولادته الجديدة أنه يريد الخروج تدريجياً من الطائفية، لكنه أعاد إنتاج نفسه داخلها مرة بعد أخرى.
لهذا، فإنّ الرهان على تسوية جديدة، أو مصالحة ظرفية، أو إعادة توزيع للحصص، باعتبارها قادرة وحدها على إنتاج انتظام دستوري دائم، لا يعالج أصل المعضلة. قد تؤجّل التسويات الانفجار، وقد تنتج رئيساً أو حكومة أو قانون انتخاب، لكنها لا تحسم السؤال المؤسس: كيف تتحوّل الدولة من اتحاد مصالح طائفية متنافسة إلى دولة مواطنين ومؤسسات؟ وكيف يصبح الشعب، الذي تصفه وثيقة الوفاق الوطني بأنه «مصدر السلطات وصاحب السيادة»، مصدراً فعلياً للسلطة لا مجرد كتل انتخابية موزعة سلفاً داخل خرائط الطوائف؟
من هنا يمكن طرح إعادة تأسيس النظام السياسي نفسه للنقاش، بما يتجاوز إدارة أعطاله المتكررة: مراجعة الصيغة التي أنتجها اتفاق الطائف بدل التعامل معها كصيغة نهائية غير قابلة للنقاش؛ الانتقال الفعلي إلى إلغاء الطائفية السياسية؛ البحث في اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس وطني خارج القيد الطائفي؛ ومناقشة تعديل دستوري يتيح انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب بدل انتخابه في مجلس النواب، بما يعيد تعريف مصدر الشرعية الرئاسية وعلاقة الرئاسة بالمواطنين.
فالدستور النافذ حالياً يجعل انتخاب الرئيس من اختصاص مجلس النواب، ما يعني أنّ الانتقال إلى الانتخاب الشعبي المباشر يتطلب تعديلاً دستورياً صريحاً.
لبنان، وفق هذه القراءة، لا يحتاج إلى تسوية أخرى داخل النظام بقدر ما يحتاج إلى نقاش وطني حول النظام نفسه. فحين تصبح التسوية هي القاعدة، والتعطيل وسيلة تفاوض، والطائفة وحدة إنتاج السلطة، والخارج ضامناً دورياً للتوازن الداخلي، لا تعود الأزمة في الأشخاص الذين يجلسون على مقاعد الحكم؛ بل في الآلة التي تنتج الحكم.
وقد يكون السؤال الذي كشفت عنه جلسة اليومين أخطر بكثير من سؤال الثقة بالحكومة: هل يستطيع لبنان أن يبني دولة فعلية من داخل الصيغة القائمة، أم أنّ الزمن بات يفرض عقداً دستورياً جديداً يعيد السلطة إلى المواطن، والتوازن إلى المؤسسات، والسيادة إلى الدولة…؟