kayhan.ir

رمز الخبر: 230131
تأريخ النشر : 2026September18 - 20:37

أميركا لم تعد قادرة

د. ناصر حيدر

 لم تكن لحظة انسحاب الجنود الأميركيين من قاعدة في الحسكة، ولا إغلاق قاعدة التنف في المثلث الحدودي، مجرد إعادة انتشار تكتيكي. كانت تلك اللحظة إعلاناً صامتاً بانتهاء حقبة استمرّت ثمانين عاماً، الحقبة التي كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على أن تكون في كلّ مكان، وأن تفعل كلّ شيء.

إنّ أميركا اليوم لم تعد قادرة، لا لأنها فقدت الطائرات أو حاملات الطائرات، بل لأنها فقدت الشرطين اللذين يصنعان القدرة: الإجماع الداخلي، والشرعية الخارجية.

أما الإجماع الداخلي فقد تآكل. لأول مرة في تاريخ الاستطلاعات، يتعاطف الأميركيون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع الإسرائيليين. ثمانية وأربعون بالمئة من الناخبين يرون أنّ بلادهم تدعم “إسرائيل” أكثر مما ينبغي، وخمسة وخمسون بالمئة من المستقلين يشاركونهم الرأي. جيل كامل، جيل ما تحت الخامسة والثلاثين، لم يعد يرى في العلاقة مع “إسرائيل” حلفاً استراتيجياً، بل عبئاً أخلاقياً ومالياً. عندما يصبح الدعم الخارجي عبئاً داخلياً، تفقد الإمبراطورية قدرتها على الاستمرار. وهذا ما يفسّر لهفة الرئيس ترامب لعقد الصفقات: اتفاق نووي مدني للسعودية مقابل التطبيع، ومذكرة تفاهم مع إيران مقابل وقف إطلاق النار، وقوة دولية صغيرة في غزة بدل جيش احتلال. إنه لا يدير انتصاراً، بل يدير تراجعاً بأقلّ الخسائر.

أما الشرعية الخارجية فقد تبدّدت. لقد كانت أميركا قادرة عندما كانت تُقدَّم كحاملة قيَم: الديمقراطية، حقوق الإنسان، النظام الدولي. اليوم، بعد غزو العراق، وبعد عشرين سنة في أفغانستان انتهت بعودة طالبان، وبعد دعم حرب خلّفت أكثر من ثلاثة وسبعين ألف شهيد في غزة، لم يعد أحد في الجنوب العالمي يصدّق تلك الرواية. حتى الحلفاء لم يعودوا يثقون. السعودية تفاوض على بيع نفطها بغير الدولار، والهند تشتري السلاح من فرنسا وروسيا وأميركا في آن واحد، ومصر تقترض من بنك التنمية الجديد التابع لـ “بريكس” هرباً من شروط صندوق النقد.

لقد كانت أميركا قادرة لأنها كانت وحدها. اليوم هناك عالم آخر يتشكل أمامها، لا يريد أن يحلّ محلها، بل يريد فقط أن يمنعها من منعه. مجموعة “بريكس” التي تمثل نصف سكان الأرض وأربعين بالمئة من ناتجها، لا يقدّم بديلاً عن الدولار غداً، لكنه يقدّم بديلاً عن الخضوع للدولار. الصين لا ترسل فرقة مشاة إلى الشرق الأوسط، لكنها ترسل ميناءً ومصنعاً وخط سكك حديدية، وهذا في عالم اليوم أكثر بقاءً من القاعدة العسكرية.

إنّ قدرة أميركا الحقيقية لم تكن في الحسكة ولا في التنف، بل في قدرتها على إقناع الآخرين بأنّ مصلحتها هي مصلحتهم. وعندما يقول وزير الدفاع الأميركي السابق إن منح السعودية برنامجاً نووياً سينتهي بسباق تسلح، وعندما يقول رئيس وزراء العدو الإسرائيلي إنّ اتفاق ترامب مع إيران كارثة، فهذا يعني أنّ الأبناء أنفسهم لم يعودوا مقتنعين بمنطق الأب.

أميركا لم تنهزم في معركة فاصلة. هي فقط لم تعد قادرة على تحمّل كلفة أن تكون أميركا. وهذا، في التاريخ، هو بداية النهاية لكلّ إمبراطورية

captcha