kayhan.ir

رمز الخبر: 230128
تأريخ النشر : 2026September18 - 20:37

لماذا تتأثر أميركا أكثر من إيران؟ وكيف انفجرت سورية وانهار لبنان؟

ناصر قنديل

 تبدو المقارنة بين قدرة الولايات المتحدة وإيران على تحمل التداعيات الاقتصادية للحرب محسومة سلفاً لمصلحة أميركا. فالولايات المتحدة تملك أكبر اقتصاد في العالم، وأقوى عملة دولية، وتنتج كميات ضخمة من النفط والغاز، بينما تعاني إيران حصاراً مزمناً وعقوبات قاسية، وتتراجع عملتها بصورة متواصلة، وتواجه صعوبات في التجارة والتحويلات المالية. لكن ارتفاع أسعار النفط كشف مفارقة معاكسة؛ فالمرتكزات الاقتصادية في المجتمع الأميركي تتلقى صدمة ارتفاع الطاقة بصورة أسرع من المجتمع الإيراني، رغم قوة الدولار وضخامة الاقتصاد الأميركي.

السبب هو أن إيران تفصل سعر الطاقة الداخلي عن سعرها العالميّ؛ فهي تعتمد نظام تسعير مبنياً على اعتبار الثروة النفطيّة ملكاً للشعب الإيراني، فلا تربط التسعير بسعر السوق ولا تعتمد أسعاراً تشبه أسعار الدول الأخرى، حيث كان ولا يزال بمستطاع المواطن الإيراني ملء خزان وقود سيارته بالبنزين بأقل من دولار واحد، مقابل 100 دولار في أميركا أو السعودية، وهما دولتان نفطيتان أقدر من إيران مالياً ونفطياً، كما تؤمن إيران بالاعتماد على الاكتفاء الذاتي وتعتمد على الإنتاج الوطنيّ بنسبة كبيرة من الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكيّة الأساسية. وقد زادها الحصار اهتماماً بذلك والتزاماً به واعتماداً عليه، لذلك لا ينتقل تراجع الريال آلياً وبالنسبة ذاتها إلى سعر البنزين والكهرباء والخبز. يتأثر الإيرانيون بالتضخم وارتفاع المستوردات وتراجع قيمة المدخرات، لكن الدولة تستطيع حماية الحاجات الضروريّة التي يتوقف عليها صمود المجتمع.

أما الولايات المتحدة، فرغم إنتاجها النفطي الكبير، وقدرتها المالية الضخمة، ورغم كونها صاحبة الحوت المالي العالمي المسمّى بالدولار، فهي صاحبة فلسفة السوق، فتسعّر البنزين والديزل وفق حركة السوق العالميّة. وعندما يرتفع سعر البرميل ينتقل الارتفاع إلى محطات الوقود، ومنها إلى النقل البري والجوي والزراعة والصناعة والتوزيع. وبسبب المساحات الشاسعة واعتماد الحياة الأميركية على السيارات والشاحنات والطائرات، تدخل كلفة الوقود في سعر كل سلعة تقريباً. فيبقى الدولار قوياً، لكن الأسرة الأميركية تشعر بالأزمة عندما ترتفع فاتورة الوقود والغذاء والنقل والخدمات، والحديث يدور عن ارتفاع 30-50% لكل السلع تأثراً بتغير أسعار المحروقات.

هذه المفارقة تكشف خطأ الاعتقاد السائد بأن سعر الصرف هو المؤشر الحاسم إلى الاستقرار. حيث كانت النظرية التقليدية تقول إن تراجع العملة يؤدي إلى ارتفاع أسعار المستوردات، ثم تدهور مستوى المعيشة، قبل انتقال الضغط من أرقام سعر الصرف إلى أرقام المحتجين في الشوارع. لكن التجارب الحديثة تقول إن المعادلة أكثر تركيباً، وإن الاستقرار تحدده ثلاثة عناصر مترابطة: مصدر الطاقة وسعرها الداخلي، ونسبة الإنتاج الوطني من حاجات السوق، ومقدار الاعتماد على المستوردات.

تقدّم روسيا بعد العقوبات الغربية دليلاً إضافياً. فقد تعرّض الروبل للضغط، وارتفعت كلفة المستوردات واختفت سلع غربية من الأسواق بعد فرض العقوبات، لكن امتلاك روسيا الطاقة والمواد الخام والزراعة والصناعات الأساسيّة، واعتماد نظام تسعير منفصل عن سعر الصرف، منع الصدمة من التحول سريعاً إلى انهيار شامل. منح استقرار أسعار الطاقة الداخلية الاقتصاد الروسيّ وقتاً لتغيير المورّدين والتوجّه نحو الصين وآسيا، وتوسيع الإنتاج المحلي وإيجاد بدائل للسلع المستوردة. وهكذا تحوّلت أزمة سعر الصرف من تهديد بالانهيار إلى مرحلة انتقال وتكيّف.

المثال الروسيّ لا يعني أن رخص الطاقة يلغي أهمية الإنتاج الوطني، كما أن الإنتاج الوطني لا يكفي إذا كانت الطاقة شحيحة أو مستوردة ومرتفعة الثمن. فالدولة التي تعتمد على استيراد غذائها ودوائها وموادها الأوليّة تبقى معرّضة لخطر تراجع العملة، حتى لو نجحت في تثبيت سعر البنزين. لكنها تحصل، مع بقاء الطاقة مستقرة، على مهلة للبحث عن موردين جدد وصناعة البدائل. أما إذا ارتفعت كلفة الطاقة والمستوردات معاً، فتدخل البلاد حلقة انهيار يعيد كل عنصر فيها إنتاج العنصر الآخر.

بالمقابل وبصورة واضحة تؤكد الاستنتاج، قدّمت سورية نموذجاً يثبت أن انفجار الشارع لا يحتاج دائماً إلى انهيار جديد في سعر الصرف. فعندما يكون الدخل ثابتاً والإنتاج ضعيفاً والطاقة المستوردة أو الشحيحة مرتفعة الكلفة، يكفي رفع سعر البنزين كي تتراجع القيمة الفعليّة للرواتب. ترتفع أجور الانتقال إلى العمل والمدرسة، ثم ترتفع كلفة نقل الغذاء والمواد الأولية، وتنتقل الزيادة إلى الزراعة والصناعة والتوزيع والخدمات. وهكذا يشعر المواطن بانهيار قدرته الشرائية، حتى لو بقي سعر العملة مستقراً نسبياً.

في الحالة السورية كانت محطة الوقود، لا سوق الصرافة، هي الطريق الأسرع لانتقال الأزمة إلى الشارع. لم يكن الناس بحاجة إلى مراقبة سعر الدولار كي يشعروا بالتدهور. فقد دخل ارتفاع البنزين في أجرة الطريق وربطة الخبز وسعر الخضار وكلفة تشغيل المولدات ونقل البضائع. وعندما بقيت الرواتب ثابتة، تحوّل رفع سعر الطاقة إلى خفض مباشر للدخل الحقيقيّ، فكان الانفجار الاجتماعي نتيجة طبيعية.

أما لبنان فقدم النموذج الأكثر اكتمالاً للانهيار عام 2019، لأن عناصر الأزمة اجتمعت كلها في وقت واحد. فالبلد يستورد المحروقات ومعظم الغذاء والدواء والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية، ويملك قاعدة إنتاجية محدودة. عندما انهارت العملة، ارتفعت كلفة المستوردات وفي مقدّمتها البنزين والمازوت والغاز. ثم أدّى ارتفاع المحروقات إلى زيادة كلفة النقل والكهرباء والإنتاج والتوزيع، فعادت هذه الزيادات ورفعت أسعار السلع المحلية والمستوردة معاً.

دخل لبنان بذلك حلقة مغلقة، تراجع العملة يرفع أسعار المستوردات، ويرفع سعر المحروقات والمستوردات، وارتفاع المحروقات يرفع كلفة الإنتاج والنقل، وارتفاع الأسعار يزيد الطلب على الدولار، والطلب على الدولار يدفع العملة إلى مزيد من التراجع. لم تكن هناك طاقة محليّة تحمي الاقتصاد، ولا قاعدة إنتاجيّة توفر الغذاء والدواء، ولا دولة قادرة على فصل الأسعار الداخليّة عن السوق العالميّة.

تشبه هذه المعادلة الاقتصادية معادلة حرب الاستنزاف. لا ينتصر دائماً من يملك الطائرات الأحدث وحاملات الطائرات، بل مَن يستطيع الحفاظ على قدرته الضرورية لمواصلة القتال وتحمل الكلفة مدة أطول. لا تحتاج إيران إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد الأميركيّ، كما لا تحتاج إلى أسطول يماثل الأسطول الأميركي. يكفيها عسكرياً أن تحافظ على إنتاج الصواريخ وإطلاقها، واقتصادياً أن تؤمن الوقود والكهرباء والغذاء بأسعار يستطيع مجتمعها تحملها.

الجواب هو أن قوة الاقتصاد لا تُقاس بحجم الناتج أو قوة العملة وحدهما. أميركا تتأثر أكثر من إيران بارتفاع النفط لأن البنزين لديها مسعّر وفق السوق وينتقل ارتفاعه إلى سلم الأسعار كله، ونجحت روسيا باحتواء الضغط على عملتها ثم عادت وضمنت لها الحماية، لأنها جمعت الاعتماد على مواردها في سوق الطاقة وإعادة تفعيل إنتاجها الوطني، بينما تحمي إيران أسعار الطاقة الأساسيّة وتنتج جزءاً كبيراً من حاجاتها. وانفجرت سورية لأن ارتفاع البنزين خفض القيمة الحقيقيّة للرواتب رغم استقرار سعر الصرف، وانهار لبنان لأن تراجع العملة اجتمع مع استيراد الطاقة والغذاء وضعف الإنتاج. لذلك يتقرّر الصمود في الحروب الاقتصادية عند نقطة التقاء الإنتاج الوطني بالطاقة المستقرّة، لا على شاشة سعر الصرف وحدها.

captcha