kayhan.ir

رمز الخبر: 230067
تأريخ النشر : 2026September16 - 20:43

انتهت الرهانات فماذا ينتظر ترامب؟

 

لم يعد السؤال بعد خمسة أيام على التحول الكبير في باب المندب هو ما إذا كان أنصار الله قادرين على الاحتفاظ بمواقعهم الجديدة، بل ما إذا كان خصومهم يملكون مشروعاً جدياً لاستعادتها. الفارق بين السؤالين هو الفارق بين معركة لم تُحسم وميزان قوى بدأ يستقرّ. كانت الساعات الأولى بعد سقوط المخا وميون وجزر حنيش هي الزمن الذهبيّ لأي هجوم معاكس، لأن القوات المتقدّمة تكون منشغلة بإعادة الانتشار وربط خطوط الإمداد وتحصين المواقع. مضت هذه الساعات ثم الأيام، ولم يظهر الهجوم الذي ملأت التهديدات شاشات الفضائيات بالحديث عنه. ما ظهر كان غارات جوية وبيانات تتوعد بقلب المعادلة، بينما كانت المعادلة تزداد رسوخاً على الأرض.

ليست المشكلة أن السعودية لا تملك طائرات وقنابل، بل إن تجربة عشر سنوات أثبتت أن التفوق الجوي لا ينتج سيطرة برية. خلال الحرب التي بدأت عام 2015 أُلقي على اليمن ما يكفي من القنابل لتغيير تضاريسه، وفرض حصار بحري وجوي واسع، وجُمعت قوات محلية وإقليمية كبيرة، ولم يؤدِّ ذلك إلى كسر أنصار الله. ثم جاءت الغارات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية بسبب إسناد غزة، فلم توقف الصواريخ والمسيّرات ولم تفتح البحر أمام السفن المستهدفة. لذلك فإن تكرار الوصفة نفسها اليوم ليس خطة لاستعادة باب المندب، بل تعبير عن غياب الخطة.

الرهان الأميركي السعودي لم يكن يمنياً فقط؛ كان يقوم على إعادة تشكيل ميزان إقليمي كامل يبدأ بمحاصرة إيران في هرمز، ويمرّ بفصل اليمن عنها، وينتهي بتحويل السعودية إلى ممر نفطي آمن يعوّض تعطيل المضيق. سقوط الساحل والجزر المقابلة لباب المندب أصاب قلب هذا التصوّر. فخط الشرق والغرب الذي ينقل النفط السعودي إلى ينبع صُمّم ليكون بديلاً من هرمز، لكنه ينتهي عند بحر باتت بوابته تحت تأثير القوة اليمنية نفسها التي تستطيع استهداف الخط ومحطات الضخ والمرافئ. وهكذا لم يعد ممكناً التعامل مع هرمز وباب المندب وخط ينبع باعتبارها ملفات منفصلة.

هنا يصبح سعر برنت البالغ 108.50 دولارات أهم من كل التصريحات الأميركية عن عودة الناقلات إلى هرمز. السوق لا يحصي السفن وحدها، بل يحسب صافي البراميل القابلة للوصول بصورة مستقرة. قد تعبر ناقلات إضافية تحمل مليون برميل، لكن استهداف خط سعودي أو تعطيل باب المندب يضع عدة ملايين من البراميل تحت الخطر. لذلك لم يهبط السعر مع أخبار تحسن العبور، بل ارتفع. السعر يقول إن الحركة الجزئية في هرمز لا تساوي استعادة التدفق الطبيعي، وإن فتح ثغرة في مضيق لا يحلّ أزمة نشأت في مضيقين وعلى خط أنابيب ومرافئ تصدير.

كان الرهان الثالث أن الوقت الذي يعمل لمصلحة اليمن وإيران في الميدان سوف يعمل ضدهما في الداخل. بُني هذا الرهان على صورة مبسّطة تقول إن تراجع سعر العملة يؤدي آلياً إلى انهيار مستوى المعيشة ثم انفجار المجتمع. لكن المقارنة بين إيران ودول أخرى تكشف أن سعر الصرف لا يعمل منفرداً. ما يحدّد قدرة الأسرة على الاحتمال هو حجم ما تنفقه على الكهرباء والغاز والبنزين والدواء والغذاء والاتصالات، لا عدد الدولارات الذي يساويه راتبها عند الصراف.

في إيران تتحمل الدولة الجزء الأكبر من كلفة الطاقة باعتبار النفط والغاز ملكية شعبية عامة. تحصل الأسرة على الوقود والكهرباء بأسعار مرتبطة بكلفة الإنتاج أكثر من ارتباطها بالسعر العالمي، بينما تنتج السوق المحلية قسماً كبيراً من الغذاء والدواء والسلع اليوميّة. لهذا يصيب تراجع العملة المستوردات بسرعة، لكنه لا ينتقل بالنسبة نفسها إلى كل عناصر الحياة. أما في الولايات المتحدة، حيث الدولار هو العملة الأقوى، فإن ارتفاع النفط يرفع كلفة النقل والكهرباء والغذاء والصناعة، ويصل إلى كل فاتورة تقريباً. قوة العملة لا تحمي المواطن عندما تُترك الطاقة والدواء والسكن لمنطق السوق، بينما رخص سعر المحروقات والاعتماد على الإنتاج الوطني يحصّنان السوق بوجه العبث بسعر الصرف.

روسيا قدّمت النموذج الآخر. العقوبات أصابت الروبل ورفعت أسعار السلع المستوردة، لكن موسكو استخدمت الطاقة الرخيصة والسوق الداخلية لتوسيع الإنتاج البديل. كان الضرر الأول نقدياً، ثم تحول الحصار إلى حافز للإحلال الصناعي والزراعي. لم تلغِ العقوبات الألم، لكنها فشلت في تحويله إلى عجز عن الاستمرار. وهذا هو الفارق بين اقتصاد ينتظر الاستيراد واقتصاد يستطيع تعويضه، وبين دولة تبيع الطاقة لشعبها كسلعة عالمية ودولة تستخدمها قاعدة للصمود والإنتاج.

أمام ترامب الآن حصيلة واضحة. الهجوم المعاكس في اليمن لم يبدأ، والحديث المبالغ فيه عن فتح هرمز لم يخفض سعر النفط، والعقوبات لم تفجر إيران، والحرب تستهلك المال والذخائر وتوسع مساحة التهديد من مضيق واحد إلى مضيقين. لم تعد واشنطن تنتظر نجاح رهاناتها، بل تؤجّل الاعتراف بفشلها. والسؤال ليس متى تصبح العودة إلى التفاوض ضرورية، فقد أصبحت كذلك، بل كم سيدفع ترامب قبل أن يقول ما سبق وقاله عشية توقيعه مذكرة التفاهم مع إيران وما بات يعرفه الجميع، إن شروط التسوية اليوم ستكون أقل كلفة من شروطها بعد ارتفاع جديد للنفط، وضربة جديدة لخطوط الإمداد، ومزيد من تثبيت الوقائع اليمنية، إضافة إلى مفاعيل نفاد الذخائر الدفاعية وتراجع المخزون النفطي وارتفاع الأسعار الاستهلاكية في الداخل الأميركي على إيقاع ارتفاع أسعار المحروقات وتأثيره في كل عمليات التسعير.

البناء

captcha