kayhan.ir

رمز الخبر: 230005
تأريخ النشر : 2026September15 - 20:59

السوق بين هدوء باب المندب وتريث اجتماع عُمان

 

لا تكفي مراقبة سعر برميل النفط عند افتتاح الأسواق لمعرفة اتجاهه خلال الأيام المقبلة، لأن السعر يتحرك اليوم بين عاملين متناقضين. الأول هو حجم المخاطر التي تراكمت خلال عطلة نهاية الأسبوع، من تأجيل اجتماع عُمان إلى استهداف السفينة الإيرانية وتعطل خط أنابيب الشرق الغرب السعودي. والثاني هو أن هذه المخاطر لم تتحول بعد إلى نقص إضافي واسع ومثبت في الإمدادات. ولهذا قفز خام برنت في بداية جلسة الاثنين حتى بلغ 109.74 دولارات، ثم تراجع إلى ما بين 106 و108 دولارات، محتفظاً بجزء مهم من مكاسبه من دون اختراق ثابت لعتبة 110 دولارات.

السبب الرئيسي لهذا التريث هو أن باب المندب بقي هادئاً من الناحية الملاحية، رغم التحول العسكري الكبير الذي أحدثه وصول أنصار الله إلى المخا وجزيرة ميون. فقد سجلت بيانات التتبع عبور 24 سفينة السبت و27 سفينة الأحد، وهي أرقام قريبة من المتوسط المسجل خلال الأيام السابقة. وهذا يعني أن أنصار الله وضعوا أيديهم على ورقة باب المندب، لكنهم لم يستخدموها بعد لإقفال المضيق. ولذلك تعاملت السوق مع التطور باعتباره تهديداً قابلاً للتحول إلى أزمة، لا أزمة مكتملة الأركان. فالأسواق لا تسعّر امتلاك القدرة فقط، بل تسعّر استخدامها وما ينتج عنها من انقطاع فعلي في التدفقات.

العامل الثاني الذي منع السوق من الذهاب إلى الجنون هو أن اجتماع عُمان تأجل ولم يُلغَ. فالبيان العُماني قال إن التأجيل جاء «حرصاً على تحقيق التوافق»، وهي عبارة تفيد بأن الاتصالات مستمرة لإعادة صياغة شروط الاجتماع ومستوى المشاركة فيه. السوق قرأت التأجيل بوصفه إشارة سلبية دفعت السعر إلى الصعود، لكنها لم تقرأه بوصفه إعلاناً بانهيار المسار السياسي كله. ولا تزال سلطنة عُمان تتحرك بين إيران ودول الخليج(الفارسي)، فيما تبدو السعودية الأكثر حاجة إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، بعدما امتدّ الضغط إلى أراضيها ومنشآتها النفطية، ورفضت واشنطن طلبها بالتدخل العسكري المباشر ضد أنصار الله، مكتفية بعرض المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف.

أما نقطة الضعف الأكثر خطورة فهي خط أنابيب الشرق الغرب، الذي ينقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد أنشئ أصلاً ليكون بديلاً عن المرور عبر مضيق هرمز. توقف الخط يعني أن السعودية تستطيع مواصلة تزويد السوق بجزء من صادراتها الغربية بالاعتماد على المخزون الموجود في ينبع ومرافئ البحر الأحمر، لكن تقديرات مصادر الصناعة التي نقلتها رويترز تقول إن هذا المخزون يكفي بين خمسة وسبعة أيام فقط. وبعد نفاد المخزون، إذا لم يعد الخط إلى العمل، تنتقل الأزمة من الخوف من نقص الإمدادات إلى النقص الفعلي، وقد يخسر السوق ما بين 2.6 وأربعة ملايين برميل يومياً، وفق تقديرات أولية تختلف باختلاف مدة التعطيل وقدرة السعودية على استخدام مسارات أخرى.

هنا يصبح الزمن عاملاً حاسماً. إذا نجحت السعودية في إصلاح الخط خلال أيام، وبقي باب المندب مفتوحاً، وظهرت إشارة إيجابية حول تحديد موعد جديد لاجتماع عُمان، يمكن أن يتراجع البرميل عن المستويات الحالية، لأن السوق تكون قد تسلّمت ثلاثة ضمانات متزامنة: استمرار التدفقات من ينبع، وعدم إقفال الممر البحري في البحر الأحمر، وبقاء الأفق السياسي مفتوحاً أمام تفاهم حول هرمز. أما إذا اقترب مخزون ينبع من النفاد من دون عودة الخط، وصدرت إشارة سلبية تفيد بتعثر اجتماع عُمان أو إلغائه، ورافق ذلك تصعيد يهدد بإقفال باب المندب، فيدخل سوق النفط مرحلة مختلفة كلياً.

في هذه الحالة لن يعود السؤال هل يبلغ برنت 110 دولارات، بل إلى أي مدى يمكن أن يتجاوزها. فالسوق سيكون أمام إقفال أو تقييد شديد في هرمز، وتعطل المنفذ السعودي البديل، وتهديد الممر الذي يصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي. أي إن ثلاثة من أهم مسارات تصدير نفط الخليج ستكون واقعة تحت الضغط في الوقت نفسه. وعندما يظهر نقص فعلي بعدة ملايين من البراميل يومياً، لن يكون الاحتياطي الاستراتيجي قادراً على تقديم حل طويل الأجل، خصوصاً بعدما هبط الاحتياطي الأميركي إلى نحو 285 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1982، نتيجة استمرار تنفيذ السحب المقرر سابقاً.

يمكن للمخزونات أن تؤجل ظهور الأزمة في الأسعار، لكنها لا تستطيع تعويض تدفقات يومية مفقودة إلى أجل غير محدد. ويمكن للتصريحات السياسية أن تهدئ الأسواق ساعات، لكنها لا تستبدل اجتماعاً تفاوضياً ولا تصلح خط أنابيب ولا تضمن فتح مضيق. ولذلك فإن السعر الحالي يمثل منطقة انتظار بين ثلاثة مواعيد: موعد نفاد مخزون ينبع، وموعد إصلاح خط الشرق الغرب، وموعد إعادة إحياء اجتماع عُمان.

الجواب هو أن السوق لم يهدأ لأنه يثق بالحل، بل لأنه ينتظر الأدلة. هدوء باب المندب يمنحه وقتاً، وعدم إلغاء اجتماع عُمان يمنحه أملاً، ومخزون ينبع يمنحه بضعة أيام. أما اجتماع نفاد المخزون مع إشارة سياسية سلبية وتصعيد يقفل باب المندب، فسوف يسقط عوامل التهدئة الثلاثة دفعة واحدة. عندها لن يرتفع السوق بصورة عادية، بل سيُصاب بالجنون، لأن العالم سيكتشف أن كل الطرق التي يفترض أن تعوّض هرمز قد دخلت دائرة الخطر معاً.

البناء

captcha