صدمة باب المندب تعادل صدمة الطوفان
ناصر قنديل
قبل أيام قليلة فقط من سقوط المخا وباب المندب، كانت الرواية الصادرة عن حكومة عدن وحلفائها تقول إن ساعة الحسم اقتربت، وإن الاستعدادات تجري لشن هجوم كبير ينطلق من الجوف والساحل الغربي، وصولاً إلى الحديدة ثم من الجبهتين إلى صنعاء. لم تكن المسألة مجرد تسريبات صحافية أو توقعات محللين؛ ففي السادس من أيلول أعلنت القوات الحكومية تنفيذ «عمليات عسكرية واسعة»، وقالت إن هجوماً بدأ من ثلاثة محاور في جبهة البرح، وإن قواتها استعادت مواقع في الكدحة غرب تعز وثبّتت مواقع جديدة جنوب الحديدة، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع أنصار الله في الجوف ومأرب وتعز والحديدة. وفي اليوم نفسه تحدّث رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي عن أن حسابات أنصار الله سوف تفتح عليهم «أبواب السقوط الشامل»، بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مديرية حيس.
في السابع من أيلول، رفع العليمي سقف الرواية، وأشاد بما وصفه بانتصارات القوات المسلحة في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة، وقال إن القوات انتزعت زمام المبادرة، وإن الدولة ماضية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية. وفي اليوم ذاته ظهر مساعد وزير الدفاع اللواء سمير الصبري عبر قناة اليمن الحكومية ليعلن أن قرار تحرير صنعاء «اتُّخذ بصورة نهائية وحاسمة»، مضيفاً أن هناك مفاجآت لن يُكشف عنها بعد. أما طارق صالح، فكان قد أعلن في الخامس والعشرين من آب أن الحديدة تشكل محور المعركة الوطنية، ثم أكد في الأول من أيلول أن الجاهزية العسكرية في جبهات الساحل الغربي بلغت مستوى عالياً.
كانت خلف هذه اللغة قوة لا يُستهان بها على الورق. التقديرات المتداولة وضعت قوام قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح في حدود عشرين ألف مقاتل موزعين على نحو ثلاثة عشر لواءً، فيما تراوحت تقديرات ألوية العمالقة، التي يقودها عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة) وعضو مجلس القيادة الرئاسي، بين عشرين وثلاثين ألف مقاتل ضمن اثني عشر أو ثلاثة عشر لواءً. وقد تحدثت المعلومات عن وجود ثلاثة ألوية من العمالقة ووحدات إضافية في محور حيس، إلى جانب قوات الساحل الغربي والتشكيلات المحلية. وهذا يعني أن رقم الثلاثين ألفاً الذي جرى تداوله لا يمثل بالضرورة عدد الذين توجّهوا فعلياً إلى الحديدة، لكنه يكشف حجم التشكيل الذي كان يُقدَّم باعتباره القوة الضاربة في معركة الساحل. نظرياً، كان مجموع قوات طارق صالح والعمالقة يقترب من خمسين ألف مقاتل، تدعمهم السعودية والإمارات بالمال والسلاح والتدريب والاستطلاع والإسناد الجوي.
واكبت “الجزيرة” هذه الأجواء بمنصة تغطية خاصة، ظهر فيها محرر الشؤون اليمنية أحمد الشلفي ومدير مكتب القناة في اليمن سعيد ثابت، إلى جانب محللين وضباط وخبراء يتحدثون جميعاً عن تحول نوعي في موازين القوى، وأن المنطقة ضاقت ذرعاً بمشاغبة أنصار الله لصالح إيران. وتراكمت أخبار التقدم في الجوف والاقتراب من الحزم، والسيطرة على حيس، والهجمات في تعز والحديدة، حتى بدت التغطية أقرب إلى كتابة مقدمة ورقة نعي لأنصار الله. لم يعد السؤال المطروح يومها ما إذا كانت قوات عدن قادرة على الهجوم، بل إلى أين ستصل، ومتى تبدأ معركة صنعاء، وما المفاجآت التي تحدث عنها مساعد وزير الدفاع.
خلال ساعات فقط انقلب المشهد كله. بدلاً من تقدم القوات الحكومية من حيس نحو الحديدة، صحت المنطقة فجأة على خبر دخول أنصار الله حيس ثم الخوخة، وتهاوت خطوط الساحل تباعاً، ووصلوا إلى المخا ومينائها ثم إلى ذو باب وميون وباب المندب وجزر البحر الأحمر. أما أوامر الانسحاب التي صدرت تحت عنوان «إعادة الانتشار» للقوات التي كانت تنتشر في الساحل، فلم تغيّر حقيقة أن خريطة عسكرية بُنيت خلال سنوات سقطت بسرعة مذهلة. وفي الحادي عشر من أيلول أقرت “الجزيرة” بأن أنصار الله وسعوا نطاق سيطرتهم «وصولاً إلى قلب مضيق باب المندب»، بعد انتشارهم في جزيرة ميون ووصولهم إلى ذو باب. ثم كتبت في الثاني عشر من أيلول أن سقوط المخا وانسحاب القوات الحكوميّة من حيس والخوخة والمخا «قلب خريطة الانتشار العسكري رأساً على عقب».
وفق البيان الذي أعلنه المتحدث العسكري لأنصار الله، بدأت العملية في الثالث من أيلول، وشملت ست مديريات في محافظتي تعز والحديدة، على مساحة قال إنها تبلغ خمسة آلاف وأربعمئة كيلومتر مربع، واستهدفت سبع فرق عسكرية تضم ثمانية وثلاثين لواءً. وهذه أرقام صادرة عن طرف المعركة، لكنها تتقاطع مع ما روّج له الطرف المقابل، وتكتسب أهميتها من أن الطرف المقابل لم يستطع أن يقدم خريطة بديلة تنفي حجم التحول، فيما أكدت الوقائع انتقال حيس والخوخة والمخا وذو باب وميون ومناطق باب المندب إلى سلطة أنصار الله.
بعد السقوط بدأت مرحلة ترميم الرواية. قيل إن الحروب لا تُحسم بتغير خطوط القتال، وإن القوات المنسحبة تعيد ترتيب صفوفها، وإن المناطق التي دخلها أنصار الله مكشوفة أمام الطيران، وسوف تتحول إلى «صندوق قتل». وجرى الترويج لتمهيد ناري كثيف وضربات قاصمة يعقبها هجوم بري واسع لاستعادة الساحل. وبعد ثلاثة أيام كانت الغارات قد وقعت فعلاً، لكن الهجوم المعاكس الموعود لم يظهر، ولم تستعد القوات الحكومية حيس أو الخوخة أو المخا أو ذو باب أو ميون. ومن حق أي قيادة عسكرية أن تخطط لهجوم معاكس، لكن ليس من حق الإعلام أن يعرض احتمالاً مستقبلياً باعتباره إنجازاً تحقق. الجواب عن سؤال من يملك الأرض لا تقدّمه شدة البيانات، بل الخريطة.
أما التفسير الجاهز الذي قدّمته حكومة عدن، فقد اختصر كل شيء بدعم الحرس الثوري الإيراني. ونقلت رويترز عن مصادر يمنية وإقليمية أن مستشارين من الحرس قدموا توجيهاً وتمويلاً وسلاحاً، وأن ضباطاً إيرانيين شاركوا في الإعداد، بينما نفت إيران إصدار توجيهات لأنصار الله. ونقلت الوكالة أيضاً عن مصدر إيراني أن قرار التقدم نحو المخا كان قراراً يمنياً اتخذه أنصار الله، وإن كان يصبّ في مصلحة إيران فتلك فوائد يجنيها الحلفاء من انتصارات حلفائهم. وإذا لم يكن المطلوب نفي الدعم الإيراني، بل وضعه في حجمه الحقيقي، لأن المسافة بين أقرب ساحل إيراني وباب المندب تقارب ألفين ومئة كيلومتر، واليمن محاصر بحراً وجواً، فإن المطلوب رؤية الجهة المقابلة حيث تقف السعودية والإمارات على أبواب اليمن، وقد قدمتا خلال أكثر من عشر سنوات دعماً جوياً وتمويلياً وتسليحياً واستخبارياً لا يقارن بما تستطيع إيران إيصاله عبر الحصار.
إذا كان الدعم الخارجي يفسّر الانتصار وحده، فلماذا لم يحسم التفوق السعودي الإماراتي الهائل الحرب؟ ولماذا انهارت تشكيلات كبيرة العدد والعتاد أمام قوة تقاتل من داخل بلد محاصر؟ الجواب هو أن السلاح لا يعوّض تفوق الحافز عند الطرف المقابل، ولا انقسام القيادة، وتضارب الولاءات، وغياب العقيدة القتالية، وضعف التنسيق، والاعتماد النفسي والعملياتي على الطيران الخارجي. وفي المقابل، تستطيع قوة أقل إمكانات أن تصنع المفاجأة إذا امتلكت وحدة القرار، ودقة المعلومات، وسرعة الحركة، وإخفاء النيات، واختيار نقطة الانهيار في جبهة خصمها.
من هنا تعادل صدمة باب المندب، في معناها العسكري والنفسي وبما تختزنه من تحولات استراتيجية، صدمة طوفان الأقصى.. حيث في السابع من تشرين الأول 2023 عبر مقاتلو المقاومة تحصينات وأسواراً ومنظومات مراقبة واستخبارات قُدّمت بوصفها عصية على الاختراق، فسقطت خلال ساعات صورة التفوق الإسرائيلي، القوة الضاربة التي تفرض هيبتها على كل دول وشعوب المنطقة. وفي الساحل الغربي عبر أنصار الله خطوطاً تحرسها تشكيلات بعشرات آلاف المقاتلين، مدعومة بالطيران والسلاح والمال، فسقطت معها صورة الجيش الذي كان يستعد لدخول صنعاء، والأهم وصل محور المقاومة إلى مضيق باب المندب ليحكم السيطرة على أهم مضيقين في العالم، هرمز وباب المندب.
وكما أعقب طوفان الأقصى خطاب إسرائيلي ينكر معنى ما حدث ويعد بسحق المقاومة، أعقبت صدمة باب المندب بيانات تقلل من قيمة تغير خطوط القتال وتعد بضربات قاصمة وهجوم معاكس. لكن الحقيقة بقيت في المكان نفسه: من كان يعلن أن الطريق إلى صنعاء قد فُتح، بات يبحث عن تفسير لكيفية خسارته بوابة البحر الأحمر. ولذلك لا تكمن صدمة باب المندب في مساحة الأرض وحدها، بل في سقوط منظومة كاملة من التقديرات والقيادات والدعاية، وفي إعلان اليمن مرة جديدة أن موازين الإرادة والتنظيم والقتال تستطيع أن تهزم موازين المال والسلاح والطيران.
كما استطاع كيان الاحتلال تنظيم حرب إبادة ضد غزة، دون أن يستعيد صورته التي سقطت يوم الطوفان، يمكن لطيران حلفاء حكومة عدن الإقليميين والدوليين فعل الشيء نفسه في اليمن، فعليهم التمييز أن اليمن يملك مقدرات صاروخية تجعل الثمن عالياً عليهم، وربما فوق طاقتهم على الاحتمال، وأنه في كل الأحوال يبقى أن ما حدث قد حدث.