حين تصطدم القوة بجدرانها
وفاء بهاني
في الحروب التقليدية، تُقاس السيطرة بخريطة.
أما هنا، في الجنوب، فالأمر مختلف: تُقاس السيطرة بقدرتك على الاستمرار بعد إعلانها.
وعلي الطاهر كانت الاختبار الأكثر وضوحاً لهذه الحقيقة.
ليست التلة استثناءً في جغرافيتها، لكنها تحوّلت إلى استثناءٍ في معناها.
هناك، على ارتفاعٍ يفتح المجال للرؤية والسيطرة، حاولت القوة العسكرية أن تفرض معادلتها الكلاسيكية:
القصف، التقدّم، ثم إعلان السيطرة.
لكن ما جرى فعلياً لم يكن كذلك.
معركة لم تُخض كما أُعلنت، لم تكن علي الطاهر معركة اقتحامٍ سريع، بل عملية بطيئة، متدرّجة، تُدار تحت ضغط كثيف، وتصطدم بطبيعة ميدان لا يخضع بسهولة.
القصف كان كثيفاً، والتقدّم كان حذراً، لكن الحسم كان غائباً.
لأنّ المعركة لم تكن فوق الأرض فقط، بل في طبقاتها المخفية.
شبكات تحت الأرض، بنى قتالية معقّدة، جعلت من التلة مساحةً مغلقة على من يحاول اقتحامها، ومفتوحة لمن يعرف كيف يدير معركته داخلها.
وهنا تغيّرت القاعدة: لم تعد المسألة من يصل أولاً…
بل من يبقى أطول.
“السيطرة” كخطاب… لا كحقيقة مكتملة،
حين أُعلن عن “السيطرة العملياتية”، كان التعبير بحدّ ذاته كافياً لقراءة ما خلفه.
فالسيطرة هنا لم تكن استقراراً ميدانياً كاملاً، بل قدرة على العمل داخل نطاق مضطرب، محكوم بالاشتباك، لا بالثبات.
أيّ أنّ ما تحقق لم يكن نهاية المعركة، بل انتقالها إلى شكلٍ آخر.
وهذا ما يفسّر التناقض الظاهر: إعلان سيطرة… يقابله استمرار القصف والاشتباك.
في المعنى السياسي، هذا ليس انتصاراً حاسماً، بل محاولة لتثبيت رواية قبل اكتمال الواقع.
تضخيم الموقع… وتعقيد الحقيقة،
لا شك أنّ علي الطاهر موقع مهمّ، يشرف على مساحات واسعة ويرتبط بمفاصل جغرافية حساسة.
لكن تحويله إلى “مفتاح الحسم” يحمل بحدّ ذاته دلالة سياسية.
ففي الحروب المعقدة، تُضخَّم بعض النقاط لتُستخدم كعناوين إنجاز.
غير أنّ الوقائع الميدانية تقول شيئاً آخر: لا موقع واحد قادر على حسم معركة ممتدة، ولا تلة، مهما علت، يمكن أن تختصر ميزان القوى.
ما تكشفه علي الطاهر فعلاً،
المعركة هناك لم تكن على الأرض فقط، بل على تعريف النصر نفسه.
هل يكفي الوصول إلى الموقع؟ أم يجب تثبيته؟
أم الأهمّ: القدرة على منعه من العودة إلى الاشتعال؟
في علي الطاهر،
سقطت فكرة “الحسم السريع”، وتقدّمت مكانها معادلة أخرى:
الاستنزاف، التدرّج، وتراكم الضغط.
وهذه معادلة لا تُنتج انتصارات صاخبة، بل تغييرات بطيئة… ومفتوحة.
الخلاصة: التلة التي كسرت الوهم،
علي الطاهر لم تكن مجرد معركة، بل لحظة كاشفة.
كشفت أنّ القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تختصر الحرب في موقع.
وكشفت أنّ إعلان السيطرة، لا يعني بالضرورة امتلاك النتيجة، بل ربما كان العكس: كلما ارتفع خطاب السيطرة، كان ذلك دليلاً على أنّ الواقع لم يُحسم بعد.
لهذا، ستبقى علي الطاهر أكثر من تلة: ستبقى مثالاً على أنّ الحروب الحديثة لا تُحسم بالارتفاعات، بل بقدرة كلّ طرف على كسر زمن الآخر.
وهنا تحديداً، تبدأ المعركة الحقيقية التي ستكشف في نهاية المطاف عن رعونة القوة المعتدية وذات الرعونة “لجيش” منكسر أخلاقياً ومنهزم معنوياً.