kayhan.ir

رمز الخبر: 229872
تأريخ النشر : 2026September13 - 20:32

قوة عسكرية بلا انتصار؛ إسرائيل محاصرة بأزماتها التي صنعتها بنفسها


يواجه الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة تناقضاً جوهرياً أكثر من أي وقت مضى؛ فمن جهة يمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة ويحظى بدعم أمريكي واسع، ومن جهة أخرى يواجه صعوبة جدية في تحويل هذه القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي واستراتيجي مستدام.
فقد خاضت تل أبيب عمليات واسعة على جبهات عدة، إلا أن نهاية أي من هذه المواجهات لم تتمكن من تحقيق الأمن والاستقرار اللذين وعد بهما القادة الإسرائيليون.
برز هذا الوضع بشكل أوضح خصوصاً بعد 7 أكتوبر، إذ لم يكن هجوم حماس مجرد إخفاق أمني واستخباراتي كبير لإسرائيل، بل شكك أيضاً في الصورة التي بنتها تل أبيب عن قدرتها على السيطرة على محيطها الأمني. وبعد ذلك، شنّت إسرائيل عملية عسكرية واسعة في غزة، لكنها رغم حجم العمليات العسكرية لم تتمكن حتى الآن من تحويل قضية غزة إلى حل سياسي مستدام.
إن استمرار المقاومة وعجز إسرائيل عن فرض نظام سياسي يتوافق مع رؤيتها، يؤكدان أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحل أزمة معقدة.
ولا تختلف الأوضاع كثيراً على الجبهة الشمالية. فقد سعت إسرائيل لسنوات إلى الحد من تهديد حزب الله وتقليص قدراته العسكرية، إلا أن التطورات في لبنان أظهرت أن مثل هذا التهديد لا يمكن القضاء عليه نهائياً بالعمليات العسكرية وحدها.
فحتى في حال توجيه ضربات قاسية إلى البنية التحتية والقيادة لدى أي جماعة، تظل العوامل السياسية والاجتماعية والإقليمية قادرة على توفير الظروف لإعادة بناء قدراتها. ولهذا السبب، تواجه إسرائيل مجدداً المشكلة نفسها التي واجهتها في غزة: القدرة على توجيه ضربة تختلف عن القدرة على إنهاء أزمة.
المواجهة مع إيران تكشف الفجوة نفسها
تبرز المواجهة مع إيران هذه الفجوة أيضاً. فقد حاولت إسرائيل خلال السنوات الماضية مراراً، عبر عمليات عسكرية وأمنية، الحد من القدرات الاستراتيجية الإيرانية، إلا أن هذه الإجراءات لم تتمكن من إخراج إيران من المعادلات الأمنية في المنطقة.
وحتى إذا تمكنت تل أبيب من تحقيق بعض أهدافها العسكرية، فإن تغيير موازين القوى الإقليمية وإيجاد وضع مستقر يمثلان مسألة أكثر تعقيداً بكثير. وكلما اتسع نطاق المواجهة، أصبح أكثر وضوحاً أن هناك مسافة كبيرة بين «توجيه ضربة» و«تحقيق الانتصار».
أزمات داخلية متصاعدة
لا تقتصر مشكلة إسرائيل على الميدان العسكري. فالحروب الطويلة والضغوط الاقتصادية والخلافات السياسية والانقسامات الاجتماعية تفرض ضغوطاً متزايدة على المجتمع الصهيوني.
ومنذ اندلاع الأزمات الأخيرة، واجهت حكومة بنيامين نتنياهو خلافات سياسية واسعة، ولا تزال الخلافات بشأن أداء الحكومة وإدارة الحرب والمسؤولية عن الإخفاق الأمني في 7 أكتوبر مستمرة.
وقد أضعف ذلك الصورة التي حاولت إسرائيل لسنوات تقديمها عن نفسها باعتبارها مجتمعاً متماسكاً ومستقراً ويتمتع بتفوق استخباراتي وأمني.
ارتفاع الكلفة الدولية
وعلى الصعيد الدولي، ارتفعت أيضاً كلفة سياسات تل أبيب. فعلى الرغم من استمرار حصول إسرائيل على دعم أمريكي كبير، فإن استمرار المواجهات وتصاعد الانتقادات الدولية رفعا الكلفة السياسية لتحركاتها.
وتحتاج إسرائيل للحفاظ على تفوقها ليس إلى القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً إلى الشرعية السياسية والدعم الخارجي والقدرة على إدارة علاقاتها مع حلفائها. وقد أدى استمرار الحروب إلى وضع المجالات الثلاثة تحت ضغوط متزايدة.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات يوفال نوح هراري، الكاتب والمؤرخ الصهيوني، أهمية أكبر. فقد حمّل هراري، في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية جزء من الإخفاقات الأخيرة، ووصف السنوات الأربع الماضية بأنها واحدة من أخطر الفترات في تاريخ الكيان الصهيوني.
وأكد هراري أن تحذيرات الأجهزة الأمنية قبل 7 أكتوبر بشأن التهديدات القائمة جرى تجاهلها، وأن حكومة نتنياهو كانت منشغلة بأولوياتها السياسية الداخلية.
ولم يقتصر انتقاد هراري على الإخفاق الذي سبق 7 أكتوبر، بل انتقد أيضاً طريقة إدارة الحرب بعد ذلك. ومن وجهة نظره، حققت إسرائيل بعض النجاحات في عملياتها العسكرية، لكنها لم تتمكن من تحويل هذه النجاحات إلى إنجاز سياسي واستراتيجي مستدام.
وفي نهاية المطاف، استخدم هراري تعبيراً شديد اللهجة لوصف وضع القيادة الإسرائيلية، مشبهاً إياه بـ«أسود يقودها حمير».
وتكمن أهمية هذه التصريحات في أن هذه الانتقادات لم تعد تصدر فقط عن خصوم إسرائيل في الخارج، بل باتت أصوات الانتقاد تتعالى أيضاً من داخل المجتمع والفضاء الفكري للكيان.
وفي الواقع، فإن المشكلة التي يشير إليها هراري لا تتعلق بضعف فردي أو بمشكلة تخص نتنياهو وحده، وإنما تطرح سؤالاً أكبر بشأن جودة عملية صنع القرار الاستراتيجي في إسرائيل.
أزمة تحويل القوة إلى نتائج
تواجه إسرائيل اليوم تناقضاً خطيراً: فما زالت قدرتها العسكرية عالية، لكن قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نظام سياسي يتوافق مع مصالحها آخذة في التراجع.
وتستطيع تل أبيب استهداف المنشآت والبنى التحتية والأهداف العسكرية، لكنها لا تستطيع، من خلال العمليات العسكرية وحدها، القضاء على جذور أزمة سياسية أو أمنية. وتظهر تجارب غزة ولبنان والمواجهة مع إيران، كل منها بصورة مختلفة، هذه الحقيقة.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي قياس فشل إسرائيل فقط بعدد العمليات أو حجم الأضرار التي تلحق بالطرف الآخر، بل بالدرجة التي اقتربت بها تل أبيب، بعد إنفاق هذا الحجم من الموارد العسكرية والسياسية، من تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
فإذا كان الهدف هو تحقيق أمن مستدام، والقضاء على التهديدات الرئيسية، ومنع توسع نفوذ الخصوم الإقليميين والحفاظ على التماسك الداخلي، فإن أداء السنوات الأخيرة يظهر، على أقل تقدير، أن تل أبيب لم تحقق جزءاً مهماً من هذه الأهداف.
ولهذا، فإن الأزمة الراهنة في إسرائيل ليست أزمة قوة عسكرية بقدر ما هي أزمة تحويل القوة إلى نتائج. فالكيان الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً، لكنه لا يستطيع تحويل الحرب إلى سلام، والعمليات إلى استراتيجية، والانتصارات المرحلية إلى أمن مستدام، سيواجه مشكلة تتجاوز مجرد الإخفاق في ساحة المعركة.
ولعل أهم ما في تصريحات هراري هو هذه النقطة تحديداً؛ فمشكلة إسرائيل لا تقتصر على أعداء يحيطون بها، بل يعود جزء من الأزمة إلى طريقة صنع القرار والإدارة التي يفترض أن تتولى احتواء هؤلاء الأعداء.
مهر

captcha