الحرب الأوكرانية الروسية على مفترق طرق مسارات التهدئة وضغوط التسوية الكبرى
حسن حردان
تُشكل الحرب الروسية الأوكرانية محطة فارقة في إعادة هندسة النظام الدولي، حيث انتقلت المواجهة من شعارات “الحسم العسكري المطلق” إلى واقعية “حروب الاستنزاف الطاحنة”. ومع دخول الصراع مرحلة بالغة التعقيد، تتكشف تدريجياً حدود القوة والقدرة لدى كافة الأطراف، وسط حراك دبلوماسي أميركي مكثف تقوده الإدارة الحالية لإرساء قواعد تسوية تنهي النزاع أو تجفف بؤره المشتعلة.
بين أوهام الحسم وواقع الاستنزاف الميداني
أفرزت الميدانيات العسكرية قناعة راسخة لدى العواصم الغربية باستحالة تحقيق هزيمة استراتيجية شاملة لروسيا. فقد أظهر الاقتصاد الروسي مرونة عالية في التحوّل نحو نمط “اقتصاد الحرب”، متجاوزاً صدمة العقوبات الغربية عبر التكاتف مع القوى الآسيوية البديلة. وفي المقابل، اصطدمت خطط الهجوم الأوكرانية بنقص الموارد البشرية وبطء الدعم اللوجستي النوعي، الأمر الذي أدّى إلى تحوّل الجبهات إلى حالة جمود نسبي تتخللها معارك استنزاف باهظة الكلفة بشرياً وماديأ، وهو ما انعكس بدوره على تراجع الدعم الشعبي والسياسي الداخلي في الدول الغربية نتيجة الأعباء التضخمية وأزمات الطاقة.
الدوافع الأميركية ورهان الدبلوماسية الرئاسية
تتحرك واشنطن، عبر مبعوثيها الخاصين، بخطى حثيثة لتدشين مسار تفاوضي جادّ يعيد إحياء الصيغ الثلاثية (الروسية ـ الأوكرانية ـ الأميركية). وتنطلق هذه الرغبة من حسابات براغماتية بحتة تستهدف:
*كبح الاستنزاف المالي والعسكري: تخفيف الأعباء الملقاة على كاهل الخزينة الأميركية وتحويل التركيز نحو أولويات استراتيجية وداخلية أخرى.
*إدارة الصراع: تفادي التداعيات الكارثية للتصعيد المحتمل مع اقتراب فصل الشتاء، والبحث عن صيغ تجميد قطاعية للقتال على غرار “النموذج الكوري”.
معضلة الدونباس وسقف الشروط المتبادلة
تصطدم الجهود الدبلوماسية بعقبة رئيسية تتمثل في التناقض الحادّ بين أهداف الطرفين؛ فموسكو تتمسك بتحقيق مكاسب إقليمية كاملة وفرض شروطها وفي مقدمتها السيطرة على كامل إقليم الدونباس، بينما تتخذ القيادة الأوكرانية برئاسة فولوديمير زيلينسكي موقفاً رافضاً لأيّ تنازلات إقليمية تعتبرها مساساً جوهرياً بالسيادة الوطنية وانكساراً سياسياً لا يمكن تبريره.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحرب…
السيناريو الأول: التسوية القسرية (الضغط المالي والعسكري) في حال لجأت واشنطن إلى استخدام سلاح حجب أو تقليص المساعدات العسكرية والمالية الحيوية، فقد تجبر كييف مرغمة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بقبول تسوية واقعية تتضمّن تجميد خطوط التماس الحالية، مقابل حصولها على حزمة صارمة من الضمانات الأمنية الغربية المماثلة لمادة الدفاع المشترك، لضمان عدم تجدد الهجمات الروسية.
السيناريو الثاني: اللاسلم واللا حرب (الجمود الطويل) إذا قاوم الداخل الأوكراني الضغوط الخارجية وفشلت المبادرات الدبلوماسية في ردم الفجوة حول مصير الأراضي، فإنّ النزاع قد ينزلق نحو تجميد فعلي غير معلن على الأرض، تتواصل فيه المناوشات المتقطعة وحرب الاستنزاف الدائمة دون التوصل إلى اتفاق سلام شامل، مما يبقي أوروبا في حالة توتر أمني دائم.
السيناريو الثالث: الانهيار المفاجئ لإحدى الجبهات، رغم ترجيح استمرار الاستنزاف، يظلّ احتمال حدوث خرق ميداني غير متوقع وارداً نتيجة الإنهاك البشري أو الاقتصادي المفاجئ لأوكرانيا ، وهو سيناريو قد يفرض واقعاً جديداً يغيّر قواعد التفاوض برمتها لصالح روسيا الأقوى قدرة على التحمّل النفسي والصناعي.
في ظلّ هذه المعطيات، يبدو أنّ الحرب اقتربت من مرحلة “عصر التوازنات والتسويات المؤلمة” نتيجة فشل رهان الغرب على إلحاق الهزيمة بروسيا…