ما بعد الامبراطورية… يحين وقت الزوال يا «إسرائيل»
محمد صادق الحسيني
اكثر من 150 ألف طبيب “إسرائيلي” غادروا الكيان منذ نحو ثلاث سنوات، أيّ منذ طوفان الأقصى، مغادرة من دون رجعة
عشرات الآلاف من الشركات المتخصصة الناشئة في علوم الاتصالات وصناعة الرقائق الالكترونية هاجرت خارج الكيان ولا نية لها للعودة…
عشرات الألوف من المستثمرين والمهندسين وأصحاب التخصصات هاجروا كذلك خلال هذه المدة، دون عودة…
نحو ثلث سكان “إسرائيل” يفكرون جدياً بمغادرة الكيان دون عودة وهم يشكلون أصحاب العوائد الميسورة…
هذه المعطيات والإحصاءات هي خلاصة مناقشات علنية تتمّ بشكل يومي على التلفاز “الإسرائيلي” يتناولها خبراء ومتخصّصون “إسرائيليون” يتحلق حولهم سكان الكيان يومياً ليسمعوا تدهور سمعة ومستقبل دويلتهم ومجتمعهم الذي كان يوماً “واحة” الديمقراطية والمدنية الأوروبية والغربية التي يتمّ التسويق لها عموماً منذ عشرات السنين…!
هذه واحدة من أهمّ نتائج معركة طوفان الأقصى التي أطلقها الشهيد القائد يحيى السنوار منذ نحو ثلاث سنوات…
من منا كان سيصدّق هذه الأخبار لو أنّ أحداً تنبّأ بها فيما قبل الطوفان،
الكاتب إيمانويل تود Emmanuel Todd وهو كاتب فرنسي بريطاني سبق له ان تنبّأ بسقوط الاتحاد السوفياتي، هو نفسه كتب كتاباً قبل سنوات تنبّأ فيه بتفكك الولايات المتحدة الأميركية في كتاب تحت عنوان “ما بعد الامبراطورية”.
مفترضاً انّ ذلك سيحدث لو أنّ الأمور سارت على المنوال الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتراجع (قبل الطوفان) مستدركاً انّ واشنطن قد تتفادى ذلك لو قامت بخطوات اصلاحية توقف التراجع…
ثم كتب في السنة الماضية كتاباً اخر تحت عنوان “هزيمة الغرب”، أكد فيه أنّ مثل هذا السياق ينتاب المنظومة الغربية عموماً.
أما الكاتب والاستاذ العربي الكبير د. زياد حافظ فإنه يعتقد في كتابه الأخير أميركا “حقائق ومسارات” بأنّ من غير المقدور على واشنطن فعل ايّ شيء يمنع تدهور امبراطوريتها مهما فعلت… وانها ذاهبة الى التفكك والانحدار والتلاشي كقوة عظمى مهيمنة مهما فعلت…
ما يجعل الكاتب متأكداً وجازماً أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة هو اعتقاده بأنّ واشنطن التي سبق لها أن هُزمت في فيتنام وأفغانستان والعراق إلا انّ هزيمتها كانت سياسية أكثر من كونها هزيمة عسكرية …
غير أنها للمرة الأولى في التاريخ والكلام لزياد حافظ تُهزم عسكرياً وتحديداً على يد إيران، وهي حقيقة اعترف بها كبار المحللين والخبراء الأميركيين، ما يجعل ذلك نقطة انعطاف تاريخية في الصراع العالمي، ومؤشراً قوياً على تحقق بداية افول الامبراطورية الأميركية خاصة والغربية عموماً…
ما يجري في هرمز منذ ستة أشهر تقريباً وفي المواجهة العسكرية المفتوحة مع إيران منذ الصيف الماضي (حرب الـ 12 يوماً) يجعل من كلّ متابع جدي الاستنتاج بأن لا قيامة للهيمنة الأميركية على العالم بعد اليوم، مهما فعل ترامب او مَن سيلي ترامب في الحكم..
ذلك لأنّ ما فعلته طهران للمرة الأولى في تاريخ الحروب مع أميركا هو الضرب من تحت الزنار في النظام الأميركي الهيمني ككلّ وليس فقط إدارة ترامب وحزبه الجمهوري…
في نهاية حرب الـ 33 يوماً في العام 2006 يوم كان رئيس وزراء اسبانيا مع العدو الصهيوني كتب مقالاً في أهمّ جريدة في بلاده قال فيه:
“ما زرعناه في الشرق الاوسط هو نموذج لمدنيّتنا الغربية… ولن نسمح لأيّ كان أن يطيح أو يدمّر هذا النموذج!”
وهذا ما حصل بالفعل بعد طوفان الأقصى، فقد استنفر وتحشد الغرب كله خلف هذا الكيان الذي سقط طريحاً على الأرض في هذه العملية المجيدة ليوقفوه على قدميه، وهو ما حصل حتى الآن… ولكن الى حين… لأنّ المعركة لا تزال مستمرة وعلى أشدّها مع سيده بل وسادته الغربيين جميعاً…
نعود لفكرة ما بعد الامبراطورية، وسياق أفول القوة الأميركية على كلّ المستويات…
فإيران هذه التي هزمت أميركا عسكرياً في حربين معلنتين على الأقل، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ حروب أميركا، تقوم استراتيجيتها الآن على ما يلي:
*علينا بالامبراطورية الأميركية أولاً ومن ثم “إسرائيل”،
وكلّ ما يحدث في إقليمنا يقول إنّ أميركا تنهزم فعلياً
وانّ طهران تنهكها بخطة محكمة وتفرغها من قوّتها، وعندما توشك هذه المهمة على الانتهاء ساعتها سيأتي دور إزالة الغدة السرطانية، بحرب الصعود الى الجليل.
وربما حتى من دون ذلك…
هل تذكرون سماحة السيد الأسمى السيد حسن نصر الله يوم قال:
قد يأتي يوم لا نحتاج فيه الى تفكيك “إسرائيل” بالحرب!؟
هذا ما تفعله إيران في الاقليم منذ نحو 6 أشهر،
ومثل هذا اليوم لم يعد مستبعداً كثيراً بل بات قريباً.. انهم يرونه بعيداً ونراه قريباً…
وهذا يعني ان نزيف الامبراطورية الأميركية سيدة هذا الكيان مستمر حتى النخاع في افق مفتوح،
كما يعني أنّ الإيرانيين سيدكّون القواعد الأميركية في المنطقة كلما سنحت لهم الفرصة الى ان يصبح الكيان من دون غطاء…
ما يعني ان الخطة الإيرانية لاستنزاف واشنطن وانهاكها وتفريغ مخازنها من الذخيرة متقنة، والحبل على الجرار حتى نهاية التشارين بل وربما حتى نهاية ولاية ترامب كما يعتقد بعض الخبراء الأميركيين…
ايّ ليس فقط خلط أوراق الانتخابات في أميركا وفي قاعدتها المتقدمة الكيان الغاصب ما يفضي الى هزيمة كلّ من نتن ياهو وترامب، بل وأبعد من ذلك حتى هزيمة نظام الهيمنة الأميركي على العالم،
وصاحب النفس الطويل هو المنتصر في مثل هذه المعركة
انها مرة أخرى ديبلوماسية حياكة السجاد،
أتى أمر الله فلا تستعجلوه،
عالم ينهار، عالم ينهض،
بعدنا طيبين قولوا الله…