kayhan.ir

رمز الخبر: 229749
تأريخ النشر : 2026September11 - 20:54

إيران وأميركا.. العدّ التنازلي للضربة أم للتسوية؟

عباس المعلم

 لم يعد السؤال بين واشنطن وطهران عمّن يملك القدرة على توجيه الضربة الأقسى، بل عمّن يستطيع البقاء واقفاً زمناً أطول تحت النار. تصريحات دونالد ترامب الأخيرة تكشف أنّ الولايات المتحدة انتقلت إلى مرحلة مختلفة في إدارة المواجهة: لا اتفاق الآن، مزيد من الضغط أولاً، ثم تفاوض من موقع يُفترض أميركياً أنه أكثر قوة. بهذا المعنى، لا يرفض ترامب التسوية مع إيران؛ هو يريد تأجيلها إلى اللحظة التي يعتقد أنّ طهران ستصبح فيها أكثر حاجة إليها وأقل قدرة على فرض شروطها.

لكن إدخال الانتخابات النصفية الأميركية في تحديد أفق الحرب يكشف أيضاً نقطة ضعف داخل القوة الأميركية نفسها. فمنذ اللحظة التي تصبح فيها للحرب ساعة سياسية داخلية، يستطيع الخصم أن يبدأ اللعب على عقاربها. ترامب يريد الوصول إلى ما بعد الانتخابات وقد راكم نتائج عسكرية واقتصادية يمكن تحويلها إلى مكسب سياسي، بينما سيكون من مصلحة طهران حرمانه من هذه الصورة، وإثبات أنّ الضغط لم ينتج استسلاماً ولا انهياراً. وهكذا يصبح الوقت جبهة مستقلة: واشنطن تراهن على إنهاك إيران قبل أن تتعب أميركا من الحرب، وإيران تراهن على رفع كلفة الحرب قبل أن ينجح الضغط الأميركي في إنهاكها من الداخل.

وهنا يدخل النفط إلى قلب المعركة. فالحديث الأميركي عن انخفاض كبير للأسعار بعد الانتخابات لا يمكن عزله عن حسابات المواجهة؛ لأنّ الطاقة هي الطريق الأقصر لانتقال نار الشرق الأوسط إلى الاقتصاد والأسواق والمستهلك الأميركي. الولايات المتحدة تستطيع امتلاك تفوق عسكري هائل، لكن إيران لا تحتاج إلى موازنة هذا التفوق طائرة بطائرة أو صاروخاً بصاروخ. يكفيها، ضمن حساباتها، أن تجعل استمرار الحرب مكلفاً بما يكفي كي تبدأ آثارها الاقتصادية والسياسية بمنافسة نتائجها العسكرية. ولهذا تصبح معادلة ترامب شديدة الحساسية: كيف تضرب إيران بقوة كافية لإضعافها، من دون أن تضرب الحرب الاقتصاد الأميركي معها؟

وفي الاتجاه نفسه يمكن قراءة محاولة واشنطن تخفيف الأعباء في ساحات أخرى، وفي مقدمتها أوكرانيا. إدارة مواجهة طويلة مع إيران تصبح أكثر صعوبة إذا بقيَت الولايات المتحدة موزعة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بين أزمات كبرى متزامنة. لذلك فإنّ تهدئة جبهة دولية لا تعني بالضرورة انخفاض مستوى التوتر العالمي؛ قد تعني، في المقابل، تحرير مساحة أميركية لممارسة ضغط أكبر في جبهة أخرى. وإذا بدأت واشنطن فعلاً بإغلاق بعض الملفات أو تجميدها، فإنّ طهران ستقرأ ذلك باعتباره جزءاً من إعادة تموضع القوة لا مجرد دبلوماسية منفصلة.

الأرجح، لذلك، أننا لا نقف أمام تسوية قريبة ولا أمام قرار أميركي فوري بحرب مفتوحة، بل أمام مرحلة ضغط بالنار: ضربات إضافية، ردود إيرانية محسوبة، حصار وضغط اقتصادي، رسائل ردع، وقنوات خلفية تبقى مفتوحة لمنع الانزلاق خارج السيطرة. المشكلة أنّ هذا النوع من المواجهات يحمل تناقضه القاتل في داخله؛ فكلّ طرف يريد الاقتراب أكثر من الحافة لإجبار الآخر على التراجع، بينما تصبح المسافة بين «الضغط المحسوب» والانفجار الشامل أقصر مع كلّ جولة.

والأشهر المقبلة قد تكون لهذا السبب أكثر خطورة مما توحي به تصريحات الطرفين. ترامب يحتاج إلى نتيجة قبل أن تتحوّل الحرب إلى عبء داخلي، وطهران تحتاج إلى الصمود حتى تبدأ الساعة الأميركية نفسها بالعمل لمصلحتها. ومن هنا، فإنّ اللحظة الفاصلة لن تأتي عندما يعجز أحدهما عن إطلاق النار، بل عندما تصبح كلفة اليوم التالي أعلى من المكسب المتوقع منه.

عندها فقط ستبدأ المفاوضات الحقيقية.

لكن قبل تلك اللحظة، قد نشهد محاولة لرفع النار إلى أعلى درجة يمكن للطرفين احتمالها. وهنا يكمن الخطر الأكبر: من يعتقد أنّ خصمه أصبح على بعد ضربة واحدة من التراجع، قد يكون هو نفسه على بعد ضربة واحدة من حرب لم يعد أحد قادراً على تحديد نهايتها

captcha