kayhan.ir

رمز الخبر: 229682
تأريخ النشر : 2026September09 - 20:34

السعودية تنقل الاستنزاف إلى اليمن وصنعاء تعيده إليها

 

لا تبدو التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن مجرد عودة إلى جولة تقليدية من الحرب بين حكومة الرعاية السعودية وحكومة صنعاء، ولا تكفي متابعة أسماء المواقع والمرتفعات التي يعلن كل طرف السيطرة عليها لفهم ما يجري. الصورة الأوسع تقول إن هناك صراعاً على تحديد مكان الاستنزاف ومَن يجب أن يدفع كلفة الحرب، في لحظة أصبحت فيها جبهتا هرمز وباب المندب جزءاً من معركة واحدة حول الممرات البحرية والطاقة.

على الأرض اليمنية هناك تصعيد واضح من القوات التابعة للحكومة والمدعومة من السعودية. تحركات وهجمات على أكثر من محور في الجوف ومأرب وتعز والبيضاء والحديدة والضالع، مع إعلانات متلاحقة عن السيطرة على مواقع ومرتفعات ومعسكرات. وفي المقابل تقول صنعاء إن خطوطها الأساسية لا تزال متماسكة وإن كثيراً مما يجري هو تبادل مواقع وتقدم تكتيكي لا يرقى إلى تحول استراتيجي في خريطة السيطرة.

لكن اللافت أن ردّ أنصار الله لم يتركز على محاولة تحويل كل محور داخلي إلى معركة استنزاف مقابلة. الرد الأبرز انتقل إلى السعودية نفسها، عبر استهداف أبها وخميس مشيط ونجران وجازان ومنشآت مرتبطة بالطاقة والبنية العسكرية، بما فيها مواقع أرامكو ومصفاة جازان وقاعدة الملك خالد.

هنا تظهر القراءة السياسية والعسكرية التي تفسر اختلاف اتجاه التصعيدين. حيث أرادت السعودية نقل مركز الاستنزاف إلى الداخل اليمني. فإذا كانت صنعاء تضع المملكة تحت ضغط متزايد من باب المندب والبحر الأحمر، وإذا كانت حرب هرمز قد رفعت أهمية المسارات السعودية البديلة لتصدير النفط، يصبح فتح جبهات واسعة داخل اليمن وسيلة لإجبار أنصار الله على توزيع قواتهم وقدراتهم والانشغال بالدفاع عن الجوف ومأرب وتعز والبيضاء والساحل بدلاً من تركيز الضغط على السعودية وممراتها البحرية ومنشآتها النفطية.

أما قراءة صنعاء فتبدو معاكسة. فإذا كانت القوات اليمنية التي تهاجمها تتحرّك بدعم وطلب سعودي، وإذا كان الهدف النهائي للتصعيد هو تخفيف الضغط الذي يفرضه أنصار الله على المملكة، فإن الرد الأكثر جدوى من وجهة نظرهم ليس استنزاف القوة اليمنية المستخدمة في الهجوم فقط، بل ضرب المصدر الرئيسي الذي يقف خلفها. بهذا المعنى تصبح القوات الحكومية خط استنزاف ثانويّاً، بينما تبقى السعودية الهدف الاستراتيجي.

وهذا يفسّر طبيعة الأهداف التي اختارتها صنعاء. جازان ليست مجرد مدينة سعودية حدودية، بل تضم مصفاة نفطية كبيرة ومنشآت أصبحت أكثر أهمية في زمن اضطراب هرمز. واستهداف أبها وخميس مشيط ونجران يضع الجنوب السعودي كله تحت ضغط عسكري مباشر، ويعيد إلى الرياض السؤال عن كلفة استمرار التصعيد داخل اليمن.

المعادلة التي تحاول صنعاء فرضها تبدو بسيطة. كلما توسّعت جبهات القتال داخل اليمن، تتوسّع دائرة النار داخل السعودية. وكلما حاولت الرياض تخفيف الضغط البحري والنفطي عبر زيادة الضغط البري على أنصار الله، يرتفع ثمن هذا الخيار على المنشآت السعودية نفسها.

وهنا تتصل الجبهة اليمنية مباشرة بجبهة هرمز. حيث تضغط إيران على المضيق وتعمل على توسيع منطقة الخطر باتجاه بحر عُمان، بما يمكن أن يهدّد جزءاً من البدائل التي استخدمت لتعويض نقص العبور عبر هرمز، وخصوصاً الفجيرة والمسارات العُمانيّة. وفي الجهة الأخرى يضغط أنصار الله على باب المندب والمنشآت السعوديّة الجنوبيّة، أي على المسار الثاني الذي اكتسب أهمية متزايدة لتأمين تدفقات الطاقة بعيداً عن هرمز. وهكذا يصبح ما يجري في الجوف أو تعز أو مأرب جزءاً من معركة أكبر من الحدود اليمنية.

السعوديّة تحاول أن تقول لصنعاء إن استمرار الضغط على المملكة والممرّات البحريّة سوف تكون كلفته فتح جبهات متعدّدة داخل اليمن. وصنعاء تردّ بأن فتح هذه الجبهات لن يحصر الحرب داخل اليمن، بل سوف يعيدها إلى الأراضي السعودية ويرفع كلفتها على الطاقة والأمن والاقتصاد.

وهذا لا يعني أن المكاسب الميدانيّة داخل اليمن بلا أهمية. فإذا تحول التقدم الحكومي إلى سقوط مدن ومراكز مديريات وقطع طرق إمداد رئيسية، يمكن أن يتغيّر ميزان الحرب. لكن تبادل مواقع ومرتفعات لا يكفي وحده لإجبار صنعاء على تغيير استراتيجيتها طالما أنها تحتفظ بالقدرة على نقل النار إلى العمق السعودي.

المعيار الحقيقي للجولة الجديدة لن يكون عدد المواقع التي تتبدل السيطرة عليها فقط، بل أي الطرفين ينجح في فرض مكان الاستنزاف على الآخر.

الرياض تريد استنزاف أنصار الله داخل اليمن. وصنعاء تريد أن تقول إن مصدر التصعيد هو الذي سيدفع ثمنه. ومن هنا يمكن فهم انتقال الردّ من خطوط الجوف وتعز إلى جازان وأبها وخميس مشيط. فالمعركة بالنسبة إلى أنصار الله ليست فقط مع القوة التي تتقدّم نحو مواقعهم، بل مع الجهة التي يعتبرون أنها أرسلت هذه القوة لكي تخفف الضغط الواقع عليها. وفي هذا النوع من الحروب يصبح اختيار مكان الردّ جزءاً من الرد نفسه.

البناء

captcha