kayhan.ir

رمز الخبر: 229678
تأريخ النشر : 2026September09 - 20:34

انهيار الهيمنة الأحادية.. حدود القوة الأميركية في مواجهة إيران

 

حسن حردان

 تتجلى في المشهد الجيوسياسي المعاصر تحوّلات عميقة تعيد تشكيل طبيعة النظام الدولي، وتبرز بوضوح في تراجع الهيمنة الأحادية الأميركية. وفي هذا السياق، تسلّط الأدبيات السياسية المعاصرة، لا سيما التحليلات الواردة في دوريات مثل “فورين أفيرز”، الضوء على عجز استراتيجيات الإكراه العسكري والضغوط الاقتصادية القصوى عن إخضاع إيران أو تأمين الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. تعكس هذه الإخفاقات تحوّلاً بنيويّاً في موازين القوى، حيث تبرز القدرات غير المتماثلة كأداة فعّالة لتحييد التفوق التقليدي العسكري لواشنطن.

أولاً: حدود القوة التقليدية   وأزمة الردع

فشلت استراتيجيات واشنطن القائمة على “الردع بالصدمة والترهيب” والحملات العسكرية واسعة النطاق في تدمير البنى التحتية الصاروخية والنووية لإيران، أو إجبار قيادتها على تقديم تنازلات جوهرية. وتكشف المعطيات الميدانية عن استنزاف متبادل، حيث عجزت القوة العسكرية المطلقة عن تحقيق حسم سياسي، مما أدى إلى تآكل مفهوم الردع التقليدي الذي طالما اعتمدت عليه الولايات المتحدة في فرض رؤيتها الأحادية على مسرح الشرق الأوسط. هذا العجز يعكس تراجع فعالية القوة العسكرية المجرّدة في بيئة دولية تعددية الأقطاب.

ثانياً: مضيق هرمز: نقطة اختناق  النظام المالي والطاقة العالمي

شكل مضيق هرمز اختباراً حقيقياً لهيمنة البحرية الأميركية. فعلى الرغم من تمركز الأساطيل والقواعد العسكرية الكبرى، أثبتت الاستراتيجيات الإيرانية القائمة على تعطيل حركة الملاحة وتهديد ناقلات النفط عجز واشنطن عن تأمين الممرات التجارية بشكل مطلق. أدى هذا الواقع إلى تحويل المضيق إلى نقطة اختناق عالمية تعاني من صدمات اقتصادية متكرّرة، وأثبت قدرة طهران على استخدام الألغام البحرية والصواريخ المتقدّمة لفرض معادلات ردع بحرية جديدة تربط استقرار الاقتصاد العالمي بمدى نجاح التسويات السياسية معها.

ثالثا: تصدّع التحالفات الإقليمية  والانكشاف الاستراتيجي

أدى تصاعد المواجهة وانعكاساتها المباشرة على أمن البنى التحتية والطاقة إلى إصابة منظومة التحالفات التقليدية للولايات المتحدة في الخليج بحالة من عدم اليقين. وأدركت العواصم الإقليمية أنّ الوجود العسكري الأميركي لم يعد مظلة حماية مطلقة، بل بات عاملاً يجرّ المنطقة إلى أزمات مكلفة. ونتيجة لذلك، اتجهت دول عديدة نحو تبنّي سياسات تهدئة مستقلة وتنويع الشراكات الدولية والإقليمية بعيداً عن الاحتكار الأميركي، مما قلص من نفوذ واشنطن الدبلوماسي والسياسي.

رابعا: مأزق  الخيارات الاستراتيجية الكبرى

تجد الإدارة الأميركية نفسها محاصرة بين خيارات محدودة ومريرة؛ فالتصعيد الشامل يهدّد بإشعال حرب إقليمية مكلفة تضرّ بالاقتصاد العالمي، بينما التراجع يُفسّر إقليمياً ودولياً كإقرار بهزيمة مدوية وتكريس لانهيار الهيمنة الأحادية. وقد دفع هذا المأزق واشنطن نحو محاولات إدارة صراع الاستنزاف عبر مسارات تفاوضية قسرية، تعجز فيها عن فرض شروط أحادية الجانب، وتضطر للتعامل مع واقع تتشابك فيه مصالح قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا في المنطقة.

خامساً: توازنات دقيقة  تقوم على الردع المتبادل

تؤكد هذه المؤشرات الآنفة الذكر أنّ التراجع الأميركي في مواجهة إيران وفتح مضيق هرمز ليس مجرد حدث عابر، بل هو انعكاس لحالة الانتقال نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وتتحرك المنطقة نحو واقع إقليمي أكثر تعقيداً تتبدّد فيه السيطرة المطلقة لصالح توازنات دقيقة تقوم على الردع المتبادل، والحروب بالوكالة، والاعتماد المتزايد على مسارات الدبلوماسية المتعددة الأطراف للحدّ من مخاطر الانهيار الشامل

captcha