واشنطن وطهران تنتظران اختبار الرهانات
– لا يبدو أن المشكلة التي تعطل التحرك القطري بين واشنطن وطهران تكمن في غياب الوسطاء أو قنوات الاتصال، ولا في العجز عن ابتكار صيغ تفاوضية جديدة. فالدافع القطري، ومعه القلق الخليجي الأوسع، مفهوم لأن كل درجة إضافية على سلم التصعيد في مضيق هرمز تعني مخاطر أكبر على صادرات الطاقة والموانئ والمنشآت والاستثمارات الخليجية، فيما لا تستطيع دول الخليج التعامل مع حرب طويلة حول أهم شريان للطاقة في العالم باعتبارها أزمة تقع خارج حدودها. المشكلة الحقيقية أن الوساطة تتحرك بين طرفين يقرأ كل منهما ميزان القوى بطريقة تناقض تماماً قراءة الآخر، ويعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته وأن خصمه هو الذي سيضطر قريباً إلى التراجع.
– واشنطن تبني حساباتها على صورة تقول إن استراتيجية الضغط بدأت تؤتي ثمارها. وهي تتعامل بجدية مع الأرقام الأميركية التي تتحدّث عن نجاح إعادة فتح حركة الملاحة في هرمز، وعن أعداد كبيرة من السفن وكميات متزايدة من النفط التي عبرت المضيق. وإذا كانت هذه الأرقام صحيحة وفق القراءة الأميركية، فإن الورقة الإيرانية الأهم تكون قد فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها: تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران وفرض العقوبات عليها، وفي الوقت نفسه منع طهران من تحويل هرمز إلى أداة لخنق الاقتصاد العالمي.
– يضاف إلى ذلك رهان أميركي على الداخل الإيراني. العقوبات وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار وصعوبة الحياة اليومية تُقرأ في واشنطن باعتبارها مؤشرات إلى اقتراب إيران من نقطة يصبح عندها استمرار المواجهة أخطر على النظام من تقديم تنازلات في التفاوض. ومن هذه الزاوية يبدو رفع السقف التفاوضي منطقياً، فلماذا تقدم واشنطن تنازلاً اليوم إذا كانت تعتقد أن بضعة أسابيع أو أشهر إضافية قد تجعل طهران أكثر استعداداً للقبول بالشروط الأميركية؟
– لكن المشكلة أن طهران تنظر إلى المشهد نفسه وتصل إلى نتيجة معاكسة تماماً. لأن الإيرانيين يعتبرون الخطاب الأميركي حول هرمز جزءًا من حرب نفسية وسياسية، ويرون أن المؤشر الذي يصعب إخضاعه للدعاية هو سعر برميل النفط. فإذا كان النفط يتدفق فعلاً بالكميات التي تقول واشنطن إنها ضمنت مرورها، وإذا كانت السيطرة الأميركية على الملاحة قد نجحت في إعادة الأمور إلى طبيعتها، فلماذا يواصل برنت الاقتراب من عتبة المئة دولار؟ ولماذا يواصل المخزون الاحتياطي الأميركي النفطي الطريق نحو النزول؟ بالنسبة إلى طهران السوق أكثر صدقية من البيانات؛ والسعر المرتفع يعني أن المتعاملين لا يثقون باستدامة التدفقات ولا بقدرة واشنطن على إزالة علاوة المخاطر التي فرضتها حرب هرمز.
– وهنا يبدأ الحساب الإيراني للوقت. لأن طهران لا تنظر فقط إلى عدد الصواريخ والطائرات التي تستطيع الولايات المتحدة استخدامها اليوم، بل إلى معدل استهلاك الذخائر مقارنة بسرعة تعويضها. وكل أسبوع إضافي من المواجهة يعني مزيداً من الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة المستخدمة في مسرح لا تستطيع واشنطن الانسحاب منه بسهولة ما دامت تريد إثبات قدرتها على حماية الملاحة وحلفائها. وبذلك يصبح المخزون العسكري جزءاً من ميزان التفاوض، تماماً كما يصبح المخزون النفطي الاستراتيجي الأميركي جزءاً منه إذا اضطرت واشنطن إلى استخدامه لتهدئة الأسعار.
– لكن الرهان الإيراني الأهم قد لا يظهر في هرمز نفسه، بل في وول ستريت. طالما أن الاقتراب من مئة دولار للبرميل ليس مجرد ارتفاع في فاتورة البنزين، بل انتقال محتمل لصدمة النفط إلى كلفة النقل والصناعة والبتروكيماويات والزراعة والأسمدة ومراكز البيانات وسائر القطاعات كثيفة الطاقة. وعندما تبدأ هوامش أرباح الشركات بالتراجع، تبدأ الأسهم بإعادة تسعير الأرباح المستقبلية. ويصبح قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يحتاجه من إنفاق رأسمالي هائل وطاقة وتمويل، شديد الحساسية لارتفاع النفط والعوائد والفائدة.
– من هنا تراقب طهران سلسلة مختلفة عن تلك التي تراقبها واشنطن، فترى أن سعر النفط يقترب من مئة دولار، والأسهم تتعرّض للضغط، والتضخم يعود، وتوقعات الفائدة ترتفع، والذهب يُباع لتوفير السيولة، ثم تصل الصدمة إلى المستهلك الأميركي. عندها لا يعود السؤال عن تكلفة الحرب على إيران، بل عن تكلفة الحرب على الناخب الأميركي قبل الانتخابات النصفية.
– هذا هو جوهر المأزق أمام الوساطة القطرية. واشنطن تقول عملياً إن إيران تقترب من لحظة الانكسار، فلماذا نتراجع؟ وطهران تقول: أميركا تقترب من لحظة ظهور الكلفة الحقيقية للحرب، فلماذا نتراجع؟ وبين القراءتين لا تكفي براعة الوسيط لصناعة اتفاق. فالوساطة تنجح عادة عندما يقتنع الطرفان بأن كلفة استمرار المواجهة أعلى من كلفة التسوية. أما اليوم فيعتقد كل طرف أن الكلفة الحاسمة ليست في الطريق إليه بعد، بل ستصل إلى خصمه قبله وتجعله يصرخ.
– لذلك قد لا تكون الجولة المقبلة من التفاوض في الدوحة أو مسقط أو عبر الرسائل الدبلوماسية. الامتحان الحقيقي سيجري في أربعة أماكن: مضيق هرمز، مخازن الذخائر، سوق النفط، ووول ستريت. وعندما تعطي هذه الاختبارات نتائج يصعب إنكارها، قد يبدأ أحد الطرفين بإعادة النظر في سقفه. أما قبل ذلك، فالتفاوض مرشح للبقاء معلقاً، لأن واشنطن وطهران لا تختلفان بعد على شروط الاتفاق فقط؛ إنهما تختلفان أولاً على سؤال أكثر جوهرية: من الذي يربح هذه الجولة من الحرب؟
البناء