kayhan.ir

رمز الخبر: 229549
تأريخ النشر : 2026September07 - 20:31

سلّم التصعيد ومعادلة الردع؟

 

ناصر قنديل

دخلت المواجهة الأميركية الإيرانية في مضيق هرمز مرحلة مختلفة مع انتقال إيران من التهديد بمنع صادرات مَن يشارك في منع صادراتها، إلى الرد العملي باستهداف ناقلات وسفن بعد استهداف ناقلات إيرانية، وصولاً إلى توسيع منطقة الحظر إلى خارج المضيق. لم تعد المسألة بيانات تحذيرية أو رسائل بالنار في محيط السفن، بل بدأت تتشكل معادلة مباشرة عنوانها: الناقلة بالناقلة والسفينة بالسفينة، وصولاً إلى تجاوز عتبة خطيرة تمثلت ببدء استهداف القطع الحربية الأميركية. وهنا يبدأ صعود سلّم التصعيد نحو حافة الهاوية، لأن واشنطن تجد نفسها أمام اختبار صدقية معادلتها، بينما تريد طهران إثبات أن الردع المتبادل لا يقوم على احتكار أميركي لاستخدام القوة، بل بإثبات القدرة على صناعة تحديات جديدة.

بعد استهداف ثلاث ناقلات وثلاث سفن، يصبح السؤال: هل ترد الولايات المتحدة بصورة مماثلة، فتدخل معادلة «ناقلة بناقلة»، أم تتراجع عن تطبيقها خشية أن تتحول إلى آلية تصعيد، آلية لا يستطيع أحد وقفها؟ المشكلة الأميركية أن عدم الرد قد يُقرأ إقراراً بنجاح الردع الإيراني، بينما يؤدي الرد إلى منح إيران مبرر تطبيق تهديدها؛ إذا مُنعت ناقلاتها من الحركة فلن تتمتع ناقلات خصومها بحرية العبور.

في الردع التقليدي، لا تكفي القدرة على إلحاق الأذى، بل يجب إقناع الخصم بأن استعمال القوة سيستدعي ثمناً يفوق المكسب. كانت واشنطن تراهن على أن تفوّقها البحري والجوي يسمح لها باستهداف السفن والناقلات الإيرانية، فيما تضطر طهران إلى ضبط ردّها خوفاً من حرب شاملة. لكن إيران قلبت الاختبار؛ فبدلاً من السؤال عما إذا كانت تستطيع الولايات المتحدة ضرب ناقلة إيرانية، صار السؤال عما إذا كانت تستطيع حماية آلاف السفن والناقلات المرتبطة بحلفائها ومصالحها.

هذا هو الاختلال البنيوي في المعادلة. أميركا تتفوق في القدرة على تدمير هدف محدد، أما إيران فتملك ميزة الجغرافيا وكثرة الأهداف وصعوبة الحماية. تحتاج واشنطن إلى بوارج وطائرات ومنظومات دفاعية واستطلاع دائم لحماية حركة ملاحة واسعة، بينما تحتاج إيران إلى نجاحات محدودة ومتباعدة كي ترفع التأمين، وتدفع الشركات إلى التردد، وتؤثر في التدفقات والأسعار. في حرب المضائق، لا يشترط إغلاق الممر بالسلاسل البحرية؛ يكفي تحويله إلى منطقة عالية المخاطر.

من هنا لا يكون سعر النفط نتيجة جانبية، بل يصبح طرفاً ثالثاً في معادلة الردع. كل ضربة لناقلة تحمل رسالة عسكرية إلى واشنطن ورسالة مالية إلى السوق. ارتفاع البرميل إلى مئة دولار لا يعني فقط زيادة كلفة الوقود، بل بدء انتقال الصدمة إلى النقل والبتروكيماويات والأسمدة والتكنولوجيا وأسواق الأسهم. وعندما تتحول مخاوف الإمدادات إلى مخاوف اقتصادية أميركية داخلية، يصبح البيت الأبيض واقعاً تحت ضغط لا تستطيع حاملات الطائرات معالجته، خصوصاً بعد أن بات على حاملات الطائرات والسفن الحربية اتخاذ ترتيبات أمنية أكثر تشدداً خشية الاستهداف الذي دخل جديداً على خط الاشتباك.

لقد بنت واشنطن حملتها الإعلامية على القول إن هرمز فُتح وإن النفط يتدفق بصورة طبيعية. لكن المقارنة بين الأرقام المعلنة وحركة السفن المرصودة بقيت تكشف فجوة واسعة. قيل إن 15 إلى 20 ناقلة مرت ليلاً، وإن التدفق بلغ عشرة ملايين برميل يومياً، بينما أظهرت بيانات الرصد في أيام مقابلة عبور عدد محدود من السفن التجارية من دون ظهور حركة منتظمة لناقلات النفط العملاقة وناقلات الغاز. وعشرة ملايين برميل تحتاج تقريباً إلى خمس ناقلات عملاقة محملة كل يوم، وهي حركة يصعب إخفاؤها عن الرصد والتأمين والأسواق والمخزونات.

معنى ذلك أن المواجهة لا تدور فقط على الماء، بل على الرواية أيضاً. واشنطن تريد القول إن تهديدات إيران فشلت، وطهران تريد أن تجعل السعر وعدد السفن وكلفة التأمين شهوداً على أن المضيق لم يعد مفتوحاً وفق الإرادة الأميركية. لكن استهداف الناقلات نقل النزاع من حرب الروايات إلى امتحان القوة.

إذا ردت أميركا على كل ناقلة بناقلة، وردت إيران بالطريقة نفسها، تتشكل دائرة مغلقة. وبعد الناقلات التجارية يأتي استهداف سفن المواكبة، ثم الاقتراب من القطع الحربية، وهنا يقع تجاوز الخط الأحمر الأخطر. إصابة سفينة حربية أميركية تفرض على واشنطن، بسبب الهيبة، رداً أكبر من الحادث نفسه. والرد الكبير يضع إيران أمام خيار الرد على قواعد أو سفن إضافية، فتنتقل المواجهة من الردع المحسوب إلى حرب لا يريدها الطرفان لكن كلاً منهما يخشى أن يكون أول المتراجعين فيها.

هذه هي لعبة حافة الهاوية؛ يتقدم كل طرف خطوة كي يجبر الآخر على التوقف، لكن نجاح اللعبة مشروط بأن يعرف الطرفان اللحظة التي يصبح فيها التقدم خطوة إضافية سقوطاً مشتركاً. إيران تريد تثبيت أن ناقلاتها ليست أهدافاً مجانية. وأميركا تريد حماية حرية عملها من دون دفع ثمن الحرب الشاملة. وبين الهدفين تضيق مساحة المناورة.

لذلك ستكون المعركة المقبلة سياسيّة بقدر ما هي عسكرية. مَن يوقف الضربات أولاً سيحاول تقديم تراجعه بوصفه فرصة للدبلوماسية، لا هزيمة. وقد يأتي المخرج عبر وساطة تضع وقف الاستهداف المتبادل للناقلات عنواناً، وتعيد ملف الملاحة إلى التفاوض الأوسع. أما الإصرار على تطبيق معادلة «الناقلة بالناقلة» بلا باب خلفي، فيعني صعوداً متواصلاً نحو القمّة التي لا يعود بعدها ممكناً التحكم بالسقوط.

فائض القوة الأميركي ليس كافياً لفرض معادلات الردع، بل ربما يشكل مدخلاً لإثبات محدودية الخيارات، ما دامت الحرب البريّة بكلفة عالية خياراً مستبعداً.

captcha