حرب تُحسم بالنقاط… وإيران تربح بكل نقطة تخسرها أميركا
ناصر قنديل
ليست كل الحروب متشابهة في تعريف النصر والهزيمة؛ فحروب الحسم الوجودي، كالحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الأميركية، تقوم على التعبئة الشاملة والإجماع الداخليّ وتهدف إلى إلغاء الخصم أو فرض استسلامه الكامل. أما حرب الاستنزاف التي تصل إليها دولة عظمى خارج حدودها، فهي غالباً حرب اختيار بدأت بوعد الحسم السريع، ثم تحوّلت بعد فشل الضربات الأولى إلى حرب طويلة لم تُعَدّ لها الجبهة الداخلية ولا القاعدة الصناعية.
في هذه الحرب تكون المعادلة غير متكافئة؛ ما بدأ كحرب اختيار بالنسبة إلى القوة العظمى يصبح حرب وجود بالنسبة إلى الطرف الأضعف. تستطيع أميركا إنهاء الحرب والعودة إلى أراضيها من دون أن يتعرّض وجودها للخطر، بينما لا تستطيع إيران الانسحاب من إيران أو التخلي عن عناصر قوتها وسيادتها. لذلك تحتاج واشنطن إلى تحقيق أهدافها كي تنتصر، بينما يكفي طهران أن تمنع تحقيقها. أميركا تحتاج إلى الحسم، وإيران يكفيها الصمود.
الحرب الأميركية الإيرانية لم يعد ممكناً حسمها ولن تُحسم بالضربة القاضية؛ لأن واشنطن لا تستطيع احتلال إيران أو إلغاء دولتها، ولأن الضربات الأولى لم تنهِ قدرتها على الرد. وسوف تُحسم بالنقاط، لكن وفق نظام حساب خاص؛ إيران لا تربح فقط بالنقاط التي تسجلها، بل بكل نقطة تخسرها أميركا.
النقطة الأولى هي سعر النفط؛ فقد عاد برنت إلى حدود 97 دولاراً، بعد تجاوزه مئة دولار في جولات سابقة، فيما وصل سعر غالون الديزل الأميركي إلى رقم قياسي بلغ 5.85 دولارات، وارتفع البنزين إلى 4.15 دولارات، أي بزيادة قرابة 39% منذ بدء الحرب، لا تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز كلياً؛ يكفيها إبقاء المرور غير مستقر ورفع كلفة الشحن والتأمين. وكل دولار يضاف إلى البرميل ينتقل إلى النقل والغذاء والتضخم والفائدة، ويصبح اقتراعاً يومياً ضد الحرب داخل الولايات المتحدة.
النقطة الثانية هي المخزون النفطي الأميركي؛ ففي آذار/ مارس أعلنت واشنطن الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، ضمن تحرير دولي قياسي بلغ 400 مليون برميل. وبنهاية آب/ أغسطس تراجع الاحتياطي الأميركي إلى 286.6 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1982، مع توقع انخفاضه أكثر مع استكمال الكميات المقررة. وهنا تربح إيران في الحالين؛ إذا امتنعت واشنطن عن السحب ارتفعت الأسعار، وإذا واصلت السحب تقلص احتياطها المخصص للطوارئ المقبلة. المخزون يعالج سعر اليوم، لكنه يستهلك قدرة أميركا على إدارة أزمة الغد.
النقطة الثالثة هي مخزون الدفاع الجوي؛ فقد استُهلك، وفق تقديرات أميركية، نحو ثلثي مخزون باتريوت ونصف مخزون ثاد، الذي قُدّر بنحو 452 صاروخاً قبل الحرب، ووصف مسؤول أميركي المخزونات المتبقية بأنها «منخفضة جداً». وتبلغ كلفة الصاروخ الاعتراضي ملايين الدولارات، وقد يحتاج إنتاجه إلى عامين. لذلك قد يبدو إسقاط الصاروخ الإيراني نصراً تكتيكياً، لكنه يتحوّل إلى خسارة استراتيجية إذا أُنفقت ذخيرة نادرة ومكلفة، أُعدّت أيضاً لمواجهة الصين وحماية أوروبا وكوريا الجنوبية، في اعتراض صاروخ أو مسيّرة إيرانية أرخص وأسرع تعويضاً.
لا تحتاج إيران إلى اختراق الدفاعات في كل مرة؛ يكفيها إجبارها على العمل. فكل اعتراض ناجح يحمي هدفاً اليوم، لكنه يخفض القدرة على حمايته غداً. وكل صاروخ أميركي يُطلق في الخليج(الفارسي) يُشطب من حساب حرب محتملة في المحيط الهادئ.
النقطة الرابعة هي الجبهة السياسية الداخلية؛ تظهر استطلاعات رويترز/ إبسوس تراجع شعبية ترامب من 40% عند بدء الحرب إلى 33%، بينما لا يوافق على الحرب سوى 31% من الأميركيين، ومع اقتراب انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر، لم تعد الحرب قابلة للتقديم بوصفها نصراً سريعاً، بل صارت عبئاً يجمع أسعار الوقود والإنفاق العسكري واستنزاف الذخائر وغياب النهاية.
وقد عبّر نائب الرئيس جي دي فانس عن هذه المعضلة عندما رفض تسمية المواجهة حرباً، لكنه عجز عن تحديد موعد نهايتها، بينما تحتفظ واشنطن بأكثر من خمسين ألف جندي ونحو عشرين سفينة حربية في المنطقة. لكن إنكار اسم الحرب مع استمرار القوات والضربات ليس دليلاً على انتهائها، بل تعبير عن صعوبة الدفاع عنها أمام الناخب.
أما النقطة الخامسة فهي فشل بناء إجماع دولي على العقوبات؛ فاضطرار واشنطن إلى معاقبة بنك تركي، للمرة الأولى في حملتها الحالية، بتهمة تمرير عائدات النفط الإيراني الآتية من الصين، يكشف أن منظومة الحصار ليست دولية بل أميركية، وأن دولاً ومؤسسات داخل الناتو نفسه لم تلتزم بها. ومن دون انضمام الصين وروسيا ودول آسيوية كبرى، وقد حسمت قمة شنغهاي استحالة ذلك، تستطيع العقوبات إيلام إيران، لكنها تعجز عن خنقها أو فرض استسلامها.
هكذا تُجمع النقاط: ارتفاع النفط، تراجع الاحتياطي، نفاد الاعتراضات، اتساع الانقسام الداخلي، اقتراب الانتخابات، وفشل تدويل العقوبات. تستطيع أميركا تدمير منشآت واغتيال قادة واعتراض صواريخ، لكن هذه النقاط العسكرية تفقد قيمتها إن لم تتحول إلى نتيجة سياسية. وإذا انتهت الحرب وإيران باقية، قادرة على الرفض والتفاوض من موقع الندّية، تكون واشنطن قد ربحت ضربات كثيرة، بينما ربحت إيران الحرب بالنقاط.
يشتدّ خناق الاستنزاف على العنق الأميركي، وسوف يتكفل بجلب الأميركي مجدداً إلى الحل السياسي وإرسال الوسطاء طلباً لهذا الحل، وكما كان صعباً توقع قبول الأميركي بمذكرة التفاهم ولكنه قبل، سوف تكون العودة إليها أو ما يوازيها حصيلة مكررة لأسباب واحدة جوهرها الاستنزاف.