مأزق البيت الأبيض
حسن حردان
تتحوّل المواجهة العسكرية الأميركية المفتوحة مع إيران إلى اختبار وجودي ليس فقط على جبهة الخليج (الفارسي)، بل في أروقة السياسة الداخلية الأميركية. ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تجد الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب نفسها محاصَرة بين متطلبات الحسم الجيوسياسي وتكلفة البقاء السياسي الباهظة. تكشف تقارير وكالة “رويترز” ومؤشرات الرأي العامة عن أزمة هيكلية تعصف بالمعسكر الجمهوري، تتجاوز الخلافات التقليدية لتلامس مصير السيطرة على المؤسسة التشريعية برمتها.
أولاً: التصدّع الداخلي: صقور الحزب الجمهوري في مواجهة براغماتيّي البيت الأبيض
يعيش الحزب الجمهوري على وقع استقطاب حادّ حيال إدارة ملف الحرب مع إيران. فمن جهة، يندفع جناح “الصقور” نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية والمراهنة على فرض واقع ردع مطلق، بينما يضغط مستشارو البيت الأبيض والبراغماتيون باتجاه “هدوء تكتيكي” واحتواء فوري للأزمة:
ـ هواجس الحفاظ على الأغلبية: يدرك مستشارو ترامب أنّ تحويل الانتخابات النصفية إلى استفتاء على حرب مكلفة قد يعصف بالأغلبية الضئيلة للجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب.
ـ الضغط العسكري المعاكس: يواجه هذا التوجه التكتيكي برفض ضمني من المؤسسة العسكرية والبنتاغون التي تحذر من استنزاف مخزونات الذخائر دقيقة التوجيه وتقويض جاهزية القوات في جبهات بديلة، بالتوازي مع عناد إيراني يستغل هذه الثغرات الزمنية لخلط الأوراق ميدانياً.
ثالثاً: تراجع شعبية ترامب ومعضلة “الاقتصاد والمعيشة”
لم يعد تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب (التي تراوحت بين 33% و32% في أحدث استطلاعات رويترز/ إبسوس وجامعة ماساتشوستس) مجرد رقم عابر، بل مؤشر على تآكل القاعدة الشعبية العريضة لترامب التي جاءت به الى البيت الابيض نتيجة:
1 ـ فاتورة أسعار المحروقات: يربط الشارع الأميركي بشكل عضوي بين استمرار العمليات العسكرية في المضائق الحيوية وارتفاع أسعار البنزين وتكلفة المعيشة. وحين يعارض أكثر من 60% من الناخبين هذه الحرب، تصبح كلفة استمرارها مرتبطة مباشرة بفقدان ثقة الناخب المستقل.
2 ـ تصدّع الولاء الحزبي: بدأت شقوق واضحة تظهر حتى داخل القواعد المؤيدة لترامب، حيث يرى القطاع المتضرّر من أزمات التضخم أنّ الانخراط في مغامرات خارجية طويلة الأمد يتعارض مع شعارات “أميركا أولاً” الاقتصادية البحتة.
رابعاً: التداعيات المحتملة على الانتخابات النصفية
تلقي هذه المعطيات بظلال قاتمة على مستقبل الجمهوريين في الاستحقاق الانتخابي القادم للأسباب الآتية:
السبب الأول، فقدان الزخم التشريعي: تمنح حالة الاستياء العام دفعة قوية للحزب الديمقراطي لاستثمار الورقة الاقتصادية والسياسية الخارجية، مما يرفع احتمالات انتقال السيطرة على أجزاء واسعة من الكونغرس إلى المعارضة.
السبب الثاني، تآكل ورقة الكفاءة الاقتصادية: تقليديًا، كان الناخب الأميركي يثق بالجمهوريين في إدارة الاقتصاد، لكن ضغوط الحرب والركود المصاحب لها سحبت هذه الورقة من أيديهم، مساويةً بينهم وبين الديمقراطيين في مؤشرات عدم الرضا العام.
تؤكد هذه المعطيات أنّ رهان البيت الأبيض على فصل المسار العسكري عن الاستحقاق الانتخابي بات متعذراً. فكلّ قذيفة تُطلق في الخليج (الفارسي)لها ارتداد مباشر في صناديق الاقتراع الأميركية، ما يضع ترامب ومستشاريه أمام خيار مرّ: إما التسليم بتهدئة قسرية ومكلفة سياسياً مع طهران، أو المكابرة عسكرياً واجتياز عاصفة غضب شعبي غير مسبوقة في صناديق تشرين الثاني المقبل…