إيران بعيون خصومها… ماذا تغيّر بعد الحرب؟
د. ليندا غدار
ليست الحروب مجرد خرائط للغارات، ولا تُقاس نتائجها فقط بعدد الصواريخ والمنشآت المدمرة، بل بقدرة القوة العسكرية على تحقيق غايتها السياسية. لذلك، بعد ستة أشهر من الحرب على إيران، يصبح السؤال الأهمّ: مَن استطاع تحقيق أهدافه، ومن اضطر إلى إعادة حساباته؟
لا جدال في ضخامة القدرات العسكرية والتكنولوجية الأميركية و”الإسرائيلية”. وقد تلقت إيران ضربات قاسية، وخسرت قيادات كبيرة ومنشآت مهمة، وكشفت الحرب اختراقات أمنية واستخبارية خطيرة. لكنها، رغم ذلك، حافظت على الدولة والنظام، وواصلت الردّ، ولم تتحوّل الضربات والاغتيالات إلى انهيار أو استسلام سياسي.
إيران خرجت بجراح عميقة، لكنها لم تنكسر.
وهنا يصبح الصمود نفسه جزءاً من تعريف القوة، فالقوة ليست أن تمتلك ما يمتلكه خصمك بالضرورة، بل أن تستطيع منعه من تحقيق الغاية السياسية التي استخدم قوته من أجلها.
كلفة الحرب لم تتوقف عند إيران
كشفت “واشنطن بوست”، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، أن الضربات الإيرانية ألحقت الضرر أو الدمار بما لا يقلّ عن 228 منشأة أو قطعة من المعدات في 15 موقعاً عسكرياً أميركياً في الشرق الأوسط. ولم تعطل هذه الضربات القدرة العسكرية الأميركية، لكنها أثبتت أنّ مهاجمة إيران ليست عملية بلا كلفة، وأنّ طهران قادرة على نقل جزء من الحرب إلى قواعد خصومها ومصالحهم في المنطقة.
وفي “إسرائيل”، وصلت الصواريخ الإيرانية إلى العمق وأصابت مناطق ومنشآت حيوية. كما كشفت “واشنطن بوست”، استناداً إلى تقييمات للبنتاغون، أنّ القوات الأميركية استخدمت في الدفاع عن “إسرائيل” صواريخ اعتراضية متطورة أكثر مما استخدمته القوات “الإسرائيلية” نفسها.
وهكذا، استطاعت “إسرائيل” إيلام إيران في عمقها، لكن إيران استطاعت بدورها فرض كلفة عسكرية ودفاعية على خصومها.
ومن هنا يبدأ السؤال الأهم: كيف انعكست هذه النتيجة في قراءة خصوم إيران الغربيين أنفسهم؟
من التفوق العسكري إلى المراجعة الاستراتيجية
قبل الحرب، كانت دانا سترول (Dana Stroul)، المسؤولة السابقة في البنتاغون لشؤون الشرق الأوسط، تنظر إلى ضعف إيران باعتباره فرصة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي واحتواء طهران. لكن بعد الحرب ميّزت بين النجاح العملياتي والنتيجة الاستراتيجية، معتبرة أنّ النجاحات التكتيكية الأميركية لم تستطع تعويض الأخطاء الاستراتيجية.
وهذا الفارق جوهري: القدرة على ضرب الخصم شيء، وتحويل الضربات إلى النتيجة السياسية المطلوبة شيء آخر.
أما جون بولتون (John Bolton)، أحد أشدّ صقور واشنطن خصومة لإيران، فلم يغيّر موقفه منها، لكنه حذّر من واقع يمنح طهران قدرة على التأثير في مضيق هرمز. وتكمن أهمية كلامه في اعترافه بأنّ هرمز لم يعد مجرد تهديد إيراني نظري، بل أصبح عنصراً فعلياً في معادلة الحرب والتفاوض.
وذهب ريتشارد هاس (Richard Haass)، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أبعد من ذلك. ففي مقاله “استراتيجية لإيران: العودة إلى لوحة الرسم”، رأى أنّ النظام الإيراني أثبت قدرة على الصمود أكبر مما توقعه كثيرون في واشنطن وتل أبيب، وأنّ القصف المكثف لم ينجح في إجبار طهران على الاستسلام. وعندما يدعو هاس واشنطن إلى العودة إلى “لوحة الرسم”، فالمعنى أنّ الحرب لم تفرض على إيران وحدها إعادة حساباتها، بل فرضتها أيضاً على خصومها.
هرمز… حين تصبح الجغرافيا قوة
وفي «Foreign Affairs»، تحدث ميغان أوسوليفان وجيسون بوردوف عن “هرمز والجغرافيا الجديدة لقوة الطاقة”، فيما أشار إيان بريمر (Ian Bremmer) إلى أنّ إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كلياً كي تؤثر في الاقتصاد العالمي، فرفع مخاطر الملاحة وكلفة التأمين والشحن يكفي لتحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط.
وهنا تكمن إحدى أهمّ أوراق إيران: فهي لا تحتاج إلى مجاراة خصومها في كلّ أدوات القوة، ما دامت تستطيع توظيف موقعها وصواريخها وقدرتها على الردّ والتفاوض لرفع كلفة الحرب.
روبرت كاغان… “إيران بلا قيود”
لكن المراجعة الأكثر إثارة جاءت من روبرت كاغان (Robert Kagan)، أحد أبرز منظري السياسة الخارجية الأميركية التدخلية والمدافعين تاريخياً عن القوة الأميركية.
ففي مقاله في مجلة “The Atlantic” بعنوان: “إيران بلا قيود”، انطلق كاغان من حقيقة أنّ إيران واجهت الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وتعرّضت لضربات واغتيالات واختراقات قاسية، ومع ذلك بقيت الدولة واستمرّ النظام وتواصل الردّ ولم يتحقق الاستسلام السياسي. ويصل كاغان إلى استنتاج مثير للجدل، إذ يرى أنّ بنية القوة في المنطقة تغيّرت، وأنّ إيران قد تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط والخليج. لا تكمن أهمية هذا الرأي في ضرورة التسليم بصحته، بل في هوية صاحبه. فعندما يصل أحد أبرز المدافعين عن الهيمنة الأميركية إلى مثل هذه القراءة، فهذا يكشف حجم المراجعة التي أحدثتها الحرب في بعض أوساط التفكير الاستراتيجي الغربي.
إيران وترامب… إدارة عدم اليقين
واليوم، تواجه طهران تحدياً آخر يتمثل في سياسة الرئيس دونالد ترامب المتقلبة بين التهديد والضغط العسكري والاقتصادي من جهة، وفتح نوافذ التفاوض والتهدئة من جهة أخرى.
ويبدو أنّ إيران تحاول التعامل مع الفعل الأميركي أكثر من الارتهان لتقلب الخطاب: الردّ حين تُضرب، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً عندما تتاح تسوية متبادلة، مع الاحتفاظ بهرمز والطاقة والصواريخ أوراقاً في التفاوض.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه اختباراً قاسياً، فالحصار والعقوبات يضغطان بشدة على الاقتصاد وصادرات النفط الإيرانية. وهنا تراهن واشنطن على أن يؤدي تراكم الضغط إلى انتزاع تنازلات، بينما تراهن طهران على الصمود والردع والجغرافيا والتفاوض وإدارة الزمن لمنع التفوق الأميركي من التحول إلى استسلام سياسي.
ماذا تغيّر…؟
لم تخرج إيران من الحرب منتصرة في كلّ شيء. دفعت أثماناً بشرية وعسكرية واقتصادية كبيرة، وظهرت ثغرات أمنية واستخباراتية خطيرة.
لكن السؤال ليس: هل أصيبت إيران؟
بل: هل كُسرت؟
بعد ستة أشهر، بقيَت الدولة والنظام، واستمرّت القدرة على الردّ، وبقيَت الصواريخ وهرمز والطاقة والتفاوض أوراقاً حاضرة.
ومن دانا سترول إلى ريتشارد هاس، ومن بولتون وبريمر إلى روبرت كاغان، تختلف المواقف والاستنتاجات، لكن بينها خيطاً مشتركاً: إيران التي تُقرأ بعد الحرب ليست تماماً إيران التي قُرئت قبلها.
وهذا لا يعني أنّ ميزان القوة انقلب ببساطة لمصلحتها، بل إنّ الحرب أعادت طرح معنى القوة نفسها. فالقوة ليست فقط حجم ما تستطيع تدميره في أرض خصمك، بل أيضاً قدرة هذا الخصم، بعد كلّ ما دُمّر، على الوقوف مجدّداً ومنعك من تحقيق الغاية التي خضت الحرب من أجلها.
ولذلك، لم يعد السؤال فقط: ماذا تستطيع الولايات المتحدة و”إسرائيل” أن تفعلا بإيران؟
بل أصبح أيضاً:
ماذا تستطيع إيران أن تمنعهما من فعله؟
إيران خرجت بجراح عميقة، لكنها لم تنكسر، وحين تعجز القوة عن تحويل الجراح إلى استسلام، يصبح الصمود نفسه جزءاً من ميزان القوة…