kayhan.ir

رمز الخبر: 229293
تأريخ النشر : 2026September02 - 20:29

محاكمة الضّحيّة وتداعياتها…

 

إيمان كركي

تمثّل الحروب والنّزاعات المسلّحة ذروة الانهيار القيَمي والأخلاقي للمجتمعات الإنسانيّة، حيث تتراجع سلطة القانون الدّولي وتتحكّم القوّة العسكريّة المشهد.

في هذا الفضاء الفوضوي تبرز ظاهرة سيكولوجيّة سياسيّة بالغة التّعقيد تعرف “باتّهام ومحاكمة الضّحيّة” فلا يكتفي الجناة والأنظمة المهيمنة بإلحاق الأذى المادّي والجسدي بالمدنييّن والأبرياء، بل يمتدّ عدوانهم ليشمل اغتيالهم معنويّاً عبر تحميلهم مسؤوليّة ما حلّ بهم من دمار وتنكيل. لذا تطرح هذه الظّاهرة السّلوكيّة والسّياسيّة إشكاليّة عميقة، وما تداعيات اتّهام الضّحيّة في سياق النّزاعات المسلّحة؟ ولماذا يصرّ القائمون على الحروب والنّاس على محاكمة الضّحيّة وتبرئة الجلاد بدلاً من إرساء العدالة؟

بادىء ذي بدء، انّ اتّهام الضّحيّة في زمن الحروب ليس مجرّد فعل عشوائيّ، بل هو استراتيجيّة ممنهجة وواعية لقلب الحقائق وتجريد الضّحايا من إنسانيّتهم. ولا غرو إنْ قلنا أنّ الضّحيّة تحاكم في هذا السّياق عبر وسائل الإعلام البروباغنديّة، والخطابات السياسيّة بهدف تبرير العنف المفرط، حيث يصوَّر المدنيّون العزّل على أنّهم دروع بشريّة أو بيئيّة حاضرة للإرهاب ومسؤولون عن قرارات قادتهم السياسيّين.

الجدير بالذّكر أنّ تداعيات هذا الاتّهام كارثيّة فهي تؤدّي؛ أوّلاً إلى حرمان الضّحيّة من التّضامن الدّولي، والدّعم الإنساني، وثانياً إلى منح الجاني حصانة أخلاقيّة وسياسيّة لمواصلة جرائمه دون رادع أو شعور بالذّنب. ويمكننا أيضاً ربط ذلك سيكولوجيّاً، من خلال علاقة هذا النّوع من الطّرح بنظريّة العالم العادل، حيث يميل العقل البشري بشكلٍ مريض إلى تصديق أنّ الأشخاص يستحقّون ما يحدث لهم، لأنّ الاعتراف بوجود ضحيّة بريئة تماماً يعني الإقرار بأنّ العالم غير آمن، وهو ما يهرب منه المجتمع الدّولي لشرعنة تقاعسهم عن آداء واجبهم في حماية الشّعوب التي هي أولى مهمّاتهم.

وفي المقابل إنّ اتّهام ومحاكمة الضّحيّة غالباً لا يطمسان الحقيقة التاريخيّة والأخلاقيّة على المدى الطّويل. فالضّحيّة في زمن الحروب ومن خلال صمودها وتوثيقها للإنتهاكات، تتحوّل من موقع الضّعف المفعول به إلى سلطة أخلاقيّة تفضح زيف خطابات القوّة.لذا فالمحاكمات الشّعبيّة والسّياسيّة التي يقيمها الطّغاة للضّحايا ترتدّ عكسيّاً في كثير من الأحيان، إذ تغدو دليل إدانة وتسلّط الضّوء على وحشيّة الجاني وغياب منطقه الأخلاقيّ، أضف إلى ذلك ومع تطوّر وسائل الاتّصال الحديثة، والتّوثيق الرّقمي، لم يعد من السّهل على القوى المهيمنة احتكار الرّواية أو إقناع العالم بأنّ الضّحيّة هي المذنبة، وبالتّالي فإنّ محاكمة الضّحية تكشف عن خوف الجاني المؤكّد من الحقيقة، وتتحوّل شهادة أهالي الضّحايا إلى إداة للمقاومة التي تأبى الخضوع لمنطق قوّة غير عادل.

بناءً على ما تقدّم، يمكن الاستنتاج بأنّ اتّهام الضّحية ومحاكمتها في زمن الحروب هو نتاج خلل بنيوي في منظومة القوى العالميّة حيث تسخّر الخطابات لتبرير البقاء للأقوى. ومع ذلك، فإنّ هذه المحاكمة تبقى صراعاً ممتدّاً بين سرديّة السّلطة المتجبّرة وسرديّة الحقّ الإنسانيّ. فالأولى تسعى لشرعنة القتل عبر لوم المقتول أو المُغتال، والثّانية تسعى لإعادة الاعتبار للمظلومين كشرط أساسي لأي سلام حقيقي مستقبلي.

ختاماً لا بدّ للتّاريخ أن ينصف الضّحيّة وهذا ما تؤول إليه دوماً مسارات الحروب، فتسقط الرّوايات الزّائفة وتتبرّأ الضّحيّة ويعود السّبب الرّئيس في حدوث هذه التبرئة الحتميّة إلى طبيعة الذّاكرة الإنسانيّة الجمعيّة التي تقبل العيش تحت وطأة التّناقض الأخلاقيّ المستمرّ. بالإضافة إلى يقظة الضّمير الإنسانيّ العالميّ الذي يرفض المعارك؛ فعندما تصمت المدافع، وتنكشف الأرقام، والحقائق، يكتشف العالم أنّ محاكمة الضّحيّة، لم تكن سوى محاولة يائسة من الجاني للهروب من مرآة جريمته، لتظلّ الضّحيّة بريئة، في عين التّاريخ، شاهدة على وحشيّة الحرب وعدالة القضيّة التي نحارب من أجلها

captcha