kayhan.ir

رمز الخبر: 229292
تأريخ النشر : 2026September02 - 20:29

نصر دبلوماسي إيراني في قمة شانغهاي

 

لم يكن الرهان الأميركي على العقوبات الجديدة ضد إيران قائماً على الاعتقاد بأن واشنطن تستطيع وحدها خنق الاقتصاد الإيراني، بل على نجاحها في تحييد روسيا والصين أو دفعهما إلى التعامل مع إيران باعتبارها عبئاً ينبغي ضبطه، لا شريكاً يجب الدفاع عن حقه في مواجهة الحرب والحصار. راهن الرئيس دونالد ترامب على حاجة موسكو إلى تفاهم معه حول أوكرانيا، وعلى حرص بكين على تجنّب مواجهة اقتصادية جديدة قبل زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن، فتصرف كأن الطريق مفتوحة لتحويل العقوبات الأميركية إلى حصار دولي. لكن قمة منظمة شنغهاي في بيشكيك جاءت صفعة سياسية واضحة لهذا الرهان.

لم تكتفِ القمة باستقبال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومنحه منصة سياسية، بل وقّع قادة الدول العشر، وفي مقدمهم الرئيسان الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيره الباكستاني شهباز شريف، «إعلان بيشكيك» الذي أدان الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، واعتبرها انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتهديداً للأمن والاستقرار العالميين. وأكد البيان دعم سيادة إيران ووحدة أراضيها، وحصر حل النزاع بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

القيمة الأهم للبيان ظهرت في رفضه «الإجراءات القسرية الأحادية» المخالفة لقواعد الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، والتحذير من آثارها السلبية في الاقتصاد العالمي. صحيح أن الإعلان لم يسمِّ كل رزمة أميركية على حدة، لكنه أسقط عنها أي شرعية دولية، ووضع العقوبات على إيران ضمن سياسة ابتزاز اقتصادي ترفضها المنظمة. وبذلك فشل ترامب في إنتاج جبهة دولية، بل وجد نفسه في مواجهة كتلة تضم نحو 43% من سكان العالم وتمثل القوة الأولى في الاقتصاد العالمي.

وجاءت الصفعة الثانية في الملف النووي. فقد أكد قادة شنغهاي حق الدول الموقعة على معاهدة عدم الانتشار، وفي طليعتها إيران، في البحث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، واعتبروا أي إجراءات تقيد هذا الحق مخالفةً للقانون الدولي. وبذلك سقطت محاولة واشنطن تقديم العقوبات والحرب باعتبارهما دفاعاً عن نظام عدم الانتشار. فالمنظمة قالت عملياً إن الخطر ليس في ممارسة إيران حقوقها القانونية، بل في محاولة الولايات المتحدة إلغاء هذه الحقوق بالقوة.

أما الصفعة الثالثة فتمثلت في الانتقال من الإدانة السياسية إلى البحث عن أدوات اقتصادية. فقد أقرّت القمة المضي في إنشاء بنك تنمية لمنظمة شنغهاي، وتعزيز التعاون المالي، وتطوير التسويات وآليات الدفع المستقلة، إلى جانب تنفيذ استراتيجية الطاقة والتنمية الاقتصادية حتى عام 2030. وقال بوتين إن البنك الجديد يجب أن يتمتع بأقصى استقلال عن الأنظمة المالية التابعة للدول التي تستخدم الأدوات الاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية أحادية. وهذا يعني أن العقوبات الأميركية لم تدفع دول شنغهاي إلى الابتعاد عن إيران، بل سرّعت بناء مؤسسات تقلل قدرتها على معاقبة من يتعامل معها.

في اللقاء الثنائي بين بزشكيان وبوتين، شكر الرئيس الإيراني موسكو على موقفها خلال الحرب والعقوبات، وقال إن الشراكة الاستراتيجية تتيح للبلدين مقاومة الأحادية الأميركية. ورد بوتين بإعلان تضامنه مع الشعب الإيراني في الدفاع عن مصالحه، مؤكداً استمرار العلاقات التجارية والاقتصادية رغم الحرب. أما الموقف الصيني، فلم يحتج إلى إعلان صاخب؛ فتوقيع شي على إعلان بيشكيك، وتمسك بكين بحقها في حماية علاقاتها التجارية، واستمرارها في شراء القسم الأكبر من النفط الإيراني، تشكل جواباً عملياً على تهديدات ترامب.

وتعرف واشنطن أن العقوبات على إيران بلا مشاركة الصين تفقد ركيزتها الأساسية. فبكين لا تعتمد في تجارتها مع طهران على القنوات المالية الأميركية وحدها، بل تستخدم اليوان والمقايضة وشبكات شركات وناقلات ومصافٍ صغيرة يصعب إخضاعها بالكامل. أما معاقبة المصارف والشركات الصينية الكبرى، فتعني فتح حرب اقتصادية مع الصين في توقيت تعاني فيه الولايات المتحدة ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة وتراجع الأسهم واقتراب الانتخابات النصفية. لذلك فإن التهديد بعقوبات ثانوية شاملة يصطدم بحدود القدرة الأميركية على تحمل رد بكين.

روسيا بدورها ليست في موقع يمكن لترامب أن يطلب منها التضحية بإيران مقابل وعود غامضة في أوكرانيا. فموسكو لا تزال ترزح تحت ثقل العقوبات الأميركية كما إيران أولاً، وثانياً ترى موسكو أن سقوط إيران أو إخضاعها يعيد تثبيت الهيمنة الأميركية على الخليج(الفارسي) وآسيا الوسطى، ويضعف مشروع العالم المتعدد الأقطاب. ولذلك كان طبيعياً أن تتحوّل الضغوط الأميركية إلى سبب إضافي لتعميق التعاون الروسي الإيراني، لا لفك الارتباط بينهما.

لم تتحول منظمة شنغهاي إلى حلف عسكري يخوض حرب إيران، ولم تدّعِ ذلك. لكن أهميتها ظهرت في منع واشنطن من تحويل حربها وعقوباتها إلى موقف دولي. لقد خرج ترامب من اجتماعات العشرين بانقسامات تعطل مشروع الحصار، بينما خرج بزشكيان من قمة شنغهاي ببيان جماعي يدين الحرب، ويرفض العقوبات، ويدعم الحقوق النووية الإيرانية، ويفتح الطريق أمام أدوات مالية وتجارية بديلة.

هكذا انقلبت خطة عزل إيران إلى مناسبة أظهرت عزلة السياسة الأميركية. وسقط الرهان على تحييد روسيا والصين، لأن البلدين أدركا أن المعركة لا تستهدف طهران وحدها، بل تستهدف النظام المتعدد الأقطاب نفسه. وكانت رسالة بيشكيك إلى ترامب واضحة: يستطيع أن يفرض عقوبات أميركية، لكنه لم يعد قادراً على تسميتها عقوبات دولية، ولا على إلزام العالم بالاصطفاف خلفها.

اللافت كان خلو البيان من أي إشارة إلى مضيق هرمز والملاحة الدولية، وهي القضايا التي كان يقول ترامب إنها مواضيع تفاهم مع الصين.

البناء

captcha