جولة جديدة أم جولة أخيرة حول هرمز؟
ناصر قنديل
– تكاد المواجهة الأميركية الإيرانية الجديدة تعيد إنتاج جولة تموز بكل عناصرها العسكرية والاقتصادية والسياسية. ففي 7 تموز بدأت الولايات المتحدة سلسلة ضربات على إيران، قالت القيادة المركزية إنها جاءت رداً على استهداف ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز. وفي 11 تموز بدأت موجة متصلة استمرت ثلاث عشرة ليلة، واختُتمت في 23 تموز بغارات استمرت أكثر من ساعتين، استهدفت مراكز قيادة ومستودعات مسيّرات وشبكات اتصالات ومواقع مراقبة ساحلية وقدرات بحرية إيرانية. وخلال الجولة، ردت إيران على قواعد أميركية في الأردن والكويت، بينما بقي المضيق شبه مقفل، وتصاعد الضغط على سوق الطاقة.
– رافق التصعيد خطاب ناري من الرئيس دونالد ترامب. ففي 14 تموز اتهم إيران بنقض الاتفاق، واقترح فرض رسم بنسبة 20% على الشحن عبر هرمز، وأعاد الحصار على السفن الإيرانية. وفي 22 تموز تعهد بتدمير جسر أو محطة كهرباء إيرانية مقابل كل سفينة تتعرض للهجوم. وفي 23 تموز توعّد إيران وحلفاءها في اليمن بـ«عقاب عسكري كبير»، بعد استهداف ناقلات سعودية قرب باب المندب. لكن التهديدات بلغت ذروتها بالتزامن مع بلوغ برنت عتبة المئة دولار، وتزايد الخسائر البشرية الأميركية، واتساع الحاجة إلى صواريخ الدفاع الجوي لحماية القواعد المنتشرة في المنطقة.
– في 24 تموز توقفت الضربات فجأة، من دون أن تقدم واشنطن تفسيراً عسكرياً مقنعاً. وفي 26 تموز أعلنت تعليق الغارات، فتراجع برنت بنسبة 8.7% إلى 88.36 دولاراً، ثم هبط في 27 تموز إلى 84.09 دولاراً. لم يكن السوق قد صدّق رواية انتصار أميركي أو فتح المضيق؛ لكنه استجاب فقط لوقف القصف واحتمال عودة الاتصالات السياسية. بقي عدد السفن العابرة دون عشرٍ يومياً، أي نحو 15% من الحركة الطبيعية، ما دلّ على أن توقف الجولة لم يكن نتيجة تحقيق أهدافها، بل نتيجة بلوغ كلفتها الاقتصادية والعسكرية مستوى لم يعد ترامب راغباً في تحمله.
– اليوم تبدأ جولة تحمل الملامح ذاتها. ضربت واشنطن جزيرة لارك، فردت إيران على قاعدتي الملك حسين والأزرق في الأردن. ثم وسعت الولايات المتحدة غاراتها في 1 أيلول لتشمل بندر عباس وقشم وتشابهار وكنارك، مستهدفة رادارات وقدرات صاروخية وبحرية أعادت إيران بناءها. وبعد ساعات بدأت طهران إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو المواقع الأميركية في الأردن. ومثل تموز، هدد ترامب إيران بضربات «أقسى وأعلى مستوى» إذا ردت، لكن الردّ وقع، وبدأت منظومات الدفاع الأميركية والأردنية عمليات الاعتراض.
– أما التداعيات، فتسلك المسارات نفسها. ارتفع برنت من عتبة التسعين إلى أكثر من 95 دولاراً خلال أقل من يومين، مؤكداً مجدداً أن الطريق بين التسعين والمئة قصير وسريع. وكل موجة إيرانية جديدة تعني استهلاكاً إضافياً لصواريخ باتريوت وثاد وSM-3 وSM-6، في وقت تعاني فيه المخزونات الأميركية أصلاً من آثار الجولات السابقة، ومن الالتزامات في أوروبا وآسيا و«إسرائيل». ويترافق ذلك مع توقع استئناف تراجع المخزون النفطي الأميركي، بعدما تحولت الاحتياطيات إلى خط دفاع داخلي ضد ارتفاع الوقود والتضخم.
– كذلك لا تقرّب الغارات فتح هرمز، بل تزيد الملاحة تأزماً. فقد أثبتت التجربة أن القصف الأميركي يدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع علاوة المخاطر أو تعليق الرحلات، ويمنح إيران سبباً لتشديد إجراءاتها في المضيق. وهكذا تتحوّل العملية التي تقول واشنطن إنها تهدف إلى حماية الملاحة إلى عامل إضافي في تعطيلها، بينما يصبح السعر حكماً على حقيقة التدفقات لا البيانات الأميركية المتضاربة حول أعداد السفن والبراميل.
– السؤال ليس ما إذا كان ترامب يستطيع مواصلة إطلاق التهديدات، بل أي خط أحمر سيبلغه أولاً: برنت عند مئة دولار، أم استنزاف الذخائر الدفاعية، أم تراجع المخزون النفطي الأميركي، أم اضطراب الأسواق والأسهم والسندات؟ في تموز اجتمعت هذه الضغوط وأجبرته على التوقف بعد الليلة الثالثة عشرة. والظروف الحاليّة تُعيد إنتاج المعادلة نفسها، وربما بكلفة أسرع، لأن الجولة تبدأ من سعر نفط أعلى، ومخزونات دفاعية ونفطية أقل، ومضيق أشدّ اضطراباً.
– الفارق الأساسيّ أن هرمز لم يعد موضوعاً يحتاج إلى تفاوض جديد، بعدما أنجزت إيران وعُمان اتفاقهما الخاص بتنظيم العبور. لذلك لن يكون المخرج السياسي صيغة منفصلة للمضيق كما أرادت واشنطن، بل العودة إلى مذكرة التفاهم التي تتمسك طهران بها إطاراً وحيداً شاملاً. وكما اضطر ترامب في المرة الأولى إلى قبول المذكرة بعد جولات التصعيد، قد تكون هذه الجولة هي الأخيرة التي يحتاج إليها لتبرير العودة إليها تحت عنوان «خفض التصعيد»، بعدما تثبت الوقائع مجدداً أن الحرب لا تفتح المضيق، والعقوبات لا تُسقط إيران، والتهديدات لا تلغي الحاجة إلى التفاوض.