kayhan.ir

رمز الخبر: 229226
تأريخ النشر : 2026September01 - 21:15

العالم يرجو النصر لإيران.. لماذا دولٌ كثيرة تُؤيد إيران سراً؟

 

بعد ستة أشهر، يجد ترامب نفسه عالقاً في حرب خاسرة بلا نهاية في الأفق. ويشعر المسؤولون بجميع أنحاء العالم بالارتياح لأنّ المقاومة الإيرانية الناجحة منعت ترامب فعلياً من الانتقال إلى أهدافه التالية.

في 26 آب/أغسطس 2026، حلّ جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو ، ضيفاً على الكولونيل المتقاعد في الجيش الأميركي، دانيال ديفيز، مقدّم بودكاست Deep Dive ("التحليل العميق") المختص بالقضايا الجيوسياسية، حيث تناولا الموضوعات المعتادة حالياً: إيران، وأوكرانيا، وسياسة ترامب الخارجية.

ديفيز الذي عاد من أفغانستان وكشف عام 2012 عن تضليل مسؤولين مدنيين وعسكريين للرأي العام الأميركي بشأن سير الحرب هناك، وكما يحدث غالباً في هذه النقاشات، وجد نفسه وضيفه يحاولان فهم سياسات أميركية وأوروبية لا تبدو منطقية استراتيجياً.

وقد اتفقا على أنّ الولايات المتحدة محكوم عليها بالفشل في كلّ من إيران وأوكرانيا، ويعود ذلك – غالباً – إلى ميل أميركا لاتباع سياسات عدوانية طائشة.

وأكّد ميرشايمر أيضاً أنّ مكانة الولايات المتحدة في العالم متدنيّة للغاية، لدرجة أنّ الناس في مختلف أنحاء العالم يتمنّون خسارة الولايات المتحدة (و"إسرائيل") في حربهما ضد إيران.

تهديدات أميركا المنفلتة

بالنسبة إلى تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي للحكم الرشيد بواشنطن، الأمر لا يتعلّق بإيران، بل بالتهديدات التي تُشكّلها أميركا غير المُقيدة – أو المنفلتة بالأحرى – على الآخرين.

يقول بارسي، لقد أذهلني عدد المسؤولين من مختلف الدول الذين، مع أنهم لا يُبدون تأييداً يُذكر لإيران أو تعاطفاً مع الجمهورية الإسلامية، لكنهم أعربوا لي سراً عن ارتياحهم الشديد لنجاح طهران في إحباط العدوان الأميركي الإسرائيلي.

وبالنظر إلى أنّ العديد من هؤلاء المسؤولين يُمثّلون دولاً تُناصر الولايات المتحدة (اعتيادياً) وربما لديها مشكلات مع الجمهورية الإسلامية، فإنّ هذا "التأييد الضمني" لإيران يُشير إلى شيء ما حول وضع العلاقات الدولية الراهن.

إذاً هناك ارتياح لأنّ العدوان وانتهاكات القانون الدولي لم تُؤتِ ثمارها للولايات المتحدة و"إسرائيل" في إيران. كانت فنزويلا، في نظر الكثيرين، حالةً مرعبة. وبغضّ النظر عن رأي المرء في مادورو، فإنّ فكرة قيام قوة عظمى باختطاف رئيس دولة أخرى وزوجته، وتنصيب رئيستها المفضّلة – التي بات عليها الآن الحصول على موافقة وزير الخارجية الأميركي على منشوراتها بوسائل التواصل الاجتماعي – ثم إعلان ترامب مبتهجاً أنّ فنزويلا أصبحت أرضاً أميركية، كانت مرعبةً لكثير من الدول. وكذلك كانت إشادة القادة الأوروبيين بعملية تغيير النظام، وتجاهلهم للمخاوف بشأن شرعيتها.

أوروبا، التي وقفت إجمالاً ضدّ الغزو غير القانوني للعراق من قِبل إدارة جورج بوش الابن، أصبحت الآن مؤيّدةً بحماس لتغيير النظام بفنزويلا، في حين تصرّ على قدسيّة القانون الدولي في أوكرانيا وغرينلاند. افتقاد المقاومة هذا جعل تكلفة الغزو الاستعماري الأميركي الجديد أكثر قابليةً للتحمّل. ونظراً لميول دونالد ترامب، خشي كلّ من أصدقاء أميركا وخصومها – على حدّ سواء – أن يكون الهدف التالي.

حرب خاسرة بلا نهاية

كان النجاح العسكري الأميركي الباهر في فنزويلا أحد أسباب حماسة ترامب الشديدة للحرب مع إيران. فإذا استغرقت فنزويلا بضع ساعات، فقد اعتقد أنّ إيران ستستغرق أربعة أيام على الأكثر. ووعد القادة الإقليميين المتشكّكين بأنّ المحنة برمّتها "لن تستغرق أكثر من 100 ساعة"، وفقاً لمسؤول عربي.

بعد ستة أشهر، يجد ترامب نفسه عالقاً في حرب خاسرة بلا نهاية في الأفق. ويشعر المسؤولون بجميع أنحاء العالم بالارتياح لأنّ المقاومة الإيرانية الناجحة منعت ترامب فعلياً من الانتقال إلى أهدافه التالية.

وكما قال مسؤول من حليف تقليدي للولايات المتحدة: "لولا صمود الإيرانيين، لكان ترامب قد هاجم كوبا على الأرجح الآن، وربما ضمّ غرينلاند أيضاً".

هذه المشاعر المتعاطفة مع إيران لا علاقة لها بإيران. لم يُلاحظ تعاطف "حكومي" علني مع الجمهورية الإسلامية، رغم أنّ الوضع يبدو مختلفاً بين عامة الناس. بل إنّ هذه المشاعر متجذّرة في المصالح الذاتية البحتة.

إنّ انتهاج أميركا سياسة خارجية استعمارية جديدة سافرة يشكّل تهديداً أكبر لكثير من الدول من إغلاق إيران لمضيق هرمز. لا شكّ أنّ هذا الإغلاق يُلحق الضرر بدول لا دور لها في تشجيع حرب ترامب الكارثية. لكنه ألمٌ يُمكن تحمّله نسبياً. فقلّةٌ من الدول، بخلاف إيران، صَمّمت جيوشها لصدّ عدوان أميركي أو إسرائيلي إذا ما وجدت نفسها بقائمة أهداف ترامب.

بل هناك قلق من أن تفتح إيران مضيق هرمز قبل الأوان، أي قبل أن يلتزم ترامب بعدم الانخراط في سياسات المحافظين الجدد مجدداً. وكما ساهمت إيران في خلق مستنقعٍ لأميركا في العراق لمنع إدارة بوش من غزو إيران لاحقاً، تأمل دولٌ كثيرةٌ الآن سراً أن يبقى ترامب عالقاً في الخليج الفارسي في المستقبل المنظور. قد يكون هذا الضمان الأكثر فعّالية لوقف اندفاع ترامب نحو تغيير الأنظمة وضمّ الأراضي.

أميركا.. التهديد الأكثر إلحاحاً

نشهد عَالمًا يتوق إلى التوازن. ومن منظور دول كثيرة، وليس دول الجنوب العالمي فقط، فإنّ الولايات المتحدة هي الدولة التي تحتاج بشدّة إلى التوازن بمواجهة نفوذها وتمدّدها. ليس روسيا، ولا إيران، ولا كوريا الشمالية. وبالتأكيد ليس الصين.

وهذا ببساطة تقييم موضوعي ودقيق لمصدر التهديد الأكثر إلحاحاً.

شهد عام 2022 حالة مشابهة، عندما غزت روسيا أوكرانيا. تعاطفت دول مع أوكرانيا، وإن ألقت باللوم جزئياً على حلف الناتو. لكنها لم ترَ في روسيا تهديداً لها.

ثم قطعت واشنطن علاقات روسيا بالنظام المالي الدولي في غضون خمسة أيام، ودُقّت أجراس الإنذار بعواصم العالم. ليس لأنها تعاطفت مع روسيا أو اعتقدت أنّ العقوبات غير مبرّرة، بل لأنّ الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على تدمير اقتصادات العالم في غضون أيام، نظراً لاعتمادها الدولار في التجارة العالمية.

وكشف غزو روسيا لأوكرانيا عن عدم وجود ضعف مماثل لدى دول الجنوب العالمي أمام المخططات الروسية. مع ذلك، كشف ردّ واشنطن السريع بالعقوبات عن ضعفٍ كبير للدول الأخرى أمام نزوات الولايات المتحدة وقدراتها.

ربما كان هذا التهديد الأميركي نظرياً عام 2022، إذ لم يُبدِ بايدن أيّ ميلٍ لاستخدام هذا السلاح بشكل واسع. أما اليوم، فقد أصبح واقعاً ملموساً.

لا توفّر لك صداقة أميركا أيّ حماية من تقلّبات مزاج ترامب. وكانت دبلوماسية غربية مؤخراً قد بذلت جهوداً لإقناع قيادتها بعدم السعي لـ"زيارة دولة" إلى واشنطن. قالت الدبلوماسية: "لن ينتج عن ذلك (زيارة واشنطن) أيّ خير. من الأفضل ببساطة ألا نكون ضمن دائرة اهتمامه".

وكما هو الحال في الغابة، تكمن الحماية دائماً في عدم لفت انتباه مفترس أقوى.

يُظهر هذا الواقع مرة أخرى مدى كارثية الحرب على إيران – وسياسة المحافظين الجدد الخارجية بشكل عامّ – على الولايات المتحدة نفسها. تسعى جميع الدول إلى تعزيز قوتها. لكنّ الحكم الرشيد والدبلوماسية الرشيدة يضمنان ألا يُنظر إلى القوة، من دون مبرّر، كتهديد من قِبل الدول الأخرى، التي لن يكون أمامها خيار سوى إيجاد سبل لموازنتها. أو، كما نرى الآن، موازنتها بالوكالة.

ربما لا تريد إيران والعالم هزيمة أميركا وإهانتها، بل يُريدونها متوازنة ومقيّدة وغير عدوانية.

مهر

captcha