تقارير أميركا تتطابق مع كلام الأمين العام لحزب الله حول خسارة أميركا المركبة
ايهاب شوقي
استعرض الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مفهوم النصر الاستراتيجي بكلمات بسيطة ميسرة، وتحدث عن الفارق بين الخسارة والتضحية، وأن المقاومة منتصرة طالما ظلت صامدة ومستمرة، بينما العدو الأميركي هو الخاسر. واللافت أن التقارير الأميركية التي تواترت في الأيام الأخيرة تؤكد كلام الشيخ نعيم وبتفاصيل دقيقة لهذه الخسائر المركبة.
ومما قاله الشيخ نعيم، إن أميركا اليوم لم تعد تمثل نموذجًا أو رمزًا، فشعوب العالم ينظرون إليها على أنها مستعمر وجبار وقاتل، وخسائرها تظهر شيئًا فشيئًا، وهو ما تؤكده التقارير التي تناولت الانتقادات الداخلية للأكاذيب وإخفاء الخسائر.
كما قال الشيخ إن أميركا تخسر اقتصاديًا، وثقافيًا، وتخسر بالوهم، وتخسر كونها رمزًا، وأن هناك خسائر ستظهر لاحقًا، وهو ما تؤكده التقارير الاقتصادية وتقارير وسائل الإعلام الموثقة عبر صور الأقمار الصناعية.
وتحدث الشيخ بالتفصيل عن أرقام الديون التي بلغت 40 تريليون، وتحدث عن قلة الذخائر وحال المدمرات المتهالك والعفن الموجود بطعام الجنود والأمراض التي أصابتهم مثل الجرب والحالات النفسية القاتلة، وكلها موثقة في تقارير ميدانية أميركية.
وهنا نستعرض باختصار عدة ملفات كاشفة لحقيقة الأزمة الاستراتيجية الأميركية المركبة، بعد عجز أميركا عن حسم المعارك عبر الاستراتيجية المفضلة المتمثلة في "الصدمة والرعب"، واللجوء الأميركي للكذب وإخفاء الخسائر بما يمس الهيبة والمصداقية الأميركية بشكل غير مسبوق، وحقيقة المخزون الاستراتيجي من الذخائر الدفاعية. ونستعرض من واقع التقارير الأميركية نوايا أميركا في الفترة القادمة واستكشاف المستفيد الأكبر من حروبها العدوانية، وهو بمثابة تفصيل وإقرار في ذات الوقت بما تناوله سماحة الأمين العام.
أولًا: فضائح إخفاء الخسائر
تعرُّض البنتاغون لانتقادات من وسائل الإعلام وأعضاء في الكونغرس، على خلفية انخفاض أعداد القتلى والجرحى المُسجَّلة في نظام تحليل خسائر الدفاع (DCAS)، رغم استمرار الهجمات الإيرانية.
وتمثلت الفضيحة في أن بيانات النظام قد أظهرت اختفاء 4 وفيات وعشرات الإصابات من إجمالي الأعداد المُسجَّلة، قبل أن تُعاد هذه الأرقام إلى قاعدة البيانات لاحقًا.
ومع ذلك فإن العدد المعترف به رغم الإخفاء يحمل دلالات كبرى على حجم الخسائر، حيث تجاوز عدد أفراد الجيش الأميركي الذين أُصيبوا بجروح منذ بدء الحرب مع إيران 750 جنديًا، كما أدت الضربات الجوية الإيرانية إلى دمار ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة من المعدات في مواقع عسكرية أميركية في الشرق الأوسط منذ بدء الحرب.
واستعرضت الصحف الأميركية الأهداف التي ضربتها إيران من حظائر طائرات، وثكنات، ومستودعات وقود، وطائرات، ومعدات رئيسية للرادار والاتصالات والدفاع الجوي. ووفقًا لتحليل أجرته "واشنطن بوست" لصور الأقمار الصناعية، قالت إن حجم الدمار أكبر بكثير مما أقرّت به الحكومة الأميركية علنًا أو تم الإبلاغ عنه سابقًا.
إيران تفقأ عيون الاستخبارات الأميركية:
ولم يكن بنك الأهداف الإيراني مقتصرًا على منشآت عسكرية ولوجستية تقليدية، بل استهدفت إيران أهدافًا نوعية، حيث ألحقت أضرارًا بالمواقع الاستخبارية الأميركية ومعدات المراقبة في المنطقة، وهو ما كشفه تقرير إن بي سي نيوز، والذي نقل عن 4 مصادر تأكيدهم أن الهجمات الإيرانية على هذه المواقع أسفرت عن أضرار سيكلف إصلاحها مليارات الدولارات وأجبرت الكونغرس على البحث عن تمويل لإعادة تأهيل المنشآت المستهدفة، ودفعت المسؤولين لإعادة النظر بتوزيع العاملين والموارد الاستخبارية تجنبًا لتهديد ترسانة إيران.
والأهم أن التقرير خلص إلى أنه، ومنذ تأسيسها عام 1947، لا توجد حالات واجهت فيها "CIA" هجمات على منشآتها ومعداتها على النحو الجاري في الحرب الحالية.
وهنا يمكننا استخلاص حجم الجرأة والاقتدار الإيراني الذي استهدف وكالة لم يستطع أحد استهدافها منذ نهاية الحرب العالمية مع كل الحروب والصراعات التي خاضتها أميركا، وهي القطب الأكبر في العالم مرورًا بتحولها للقطب الأوحد، ثم انطلاقها للعدوان والبلطجة على العالم بيد طليقة!
الذخائر والمأزق الاستراتيجي الأكبر
يبقى مأزق نفاد الذخائر الدفاعية الأميركية هو الأخطر، لأنه يشل قدرة أميركا على إدارة الحروب، ولا سيما في مواجهة قوة صاروخية كبيرة وأعداد هائلة من الطائرات المسيَّرة، وجرأة وجسارة إيرانية على الهجوم وتثبيت معادلات الردع. وبحسب تقدير من مركز الدراسات الاستراتيجية، استخدم جيش الحرب الأميركي ما لا يقل عن 190 صاروخًا اعتراضيًا من نوع "ثاد" و1.060 صاروخًا اعتراضيًا من نوع "باتريوت" بين 28 شباط/ فبراير و8 نيسان/ أبريل، وهو ما يمثل 53% و43% من مخزوناتهما قبل الحرب على التوالي.
إيران تجبر أميركا على تغيير أولوياتها
وقد أجبرت إيران وزارة الحرب الأميركية على تغيير أولوياتها بما يمكن أن يقترب من تغيير عقيدتها الدفاعية العسكرية، وهو ما تكشفه طلبات ميزانية البنتاغون للسنة المالية 2027، حيث تحولت الأولويات في مجال الذخائر نحو أسلحة أقل تكلفة. حيث تكشف تقارير البنتاغون أن حوالي 49% من وحدات الذخائر التي طلبتها الوزارة للسنة المالية 2027 تكلفتها أقل من 600 ألف دولار للوحدة، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 70% في السنة المالية 2031 بناءً على طلبات ميزانية الذخائر المتوقعة.
إحصائيات تشي بنوايا عدائية أميركية
وتشي الإحصائيات بأن أميركا تستعد لسنوات تمارس بها العدوان وقد تعيد غدرها، حيث ارتفعت طلبات صواريخ باتريوت PAC-3 المحسّنة (MSE) بنسبة 839%، من 341 صاروخًا في السنة المالية 2026 (من قبل الجيش والبحرية الأميركية) إلى 3203 صواريخ في السنة المالية 2027 (من قبل الجيش والبحرية)، كما ارتفعت طلبات صواريخ ثاد (THAAD) بنسبة 2216%، من 37 صاروخًا في السنة المالية 2026 (من قبل وكالة الدفاع الصاروخي) إلى 857 صاروخًا في السنة المالية 2027 (من قبل الجيش)، وارتفعت طلبات صواريخ توماهوك بنسبة 1740%، من 57 صاروخًا في السنة المالية 2026 (من قبل البحرية) إلى 1049 صاروخًا في السنة المالية 2027.
ويؤكد هذه النوايا العدوانية أن أميركا تسعى إلى تقليص مدة إنتاج الذخائر، كما يتبنى الجيش الأميركي جدولًا زمنيًا "مضغوطًا" لبرنامجه الخاص بالاستخبارات القتالية، حيث طرح طلب المعلومات الأولي في أيار/ مايو 2026، ويستهدف إجراء أولى التجارب بالذخيرة الحية في خريف 2026.
مصانع السلاح وصناعة القرار الأميركي
وتشي الإحصائيات بأمور أخرى تشير إلى المستفيد الأكبر من الحروب والعدوان، وهي تشير أيضًا إلى آلية صنع القرار الأميركي، والذي لا يُعد بيد رئيس بمفرده ولا إدارة بعينها، بل بيد نخبة حرب مستفيدة، حيث تقول التقارير الأميركية إنه بمجرد تخصيص الأموال، يمكن للبنتاغون منح عقود لتنفيذ الاتفاقيات الإطارية، التي وُقّع معظمها في وقت سابق من هذا العام.
وعلى سبيل المثال، في يوليو/تموز 2026، منحت وزارة الحرب الأميركية شركة لوكهيد مارتن عقدًا بقيمة تصل إلى 58.6 مليار دولار لمضاعفة إنتاج صواريخ PAC-3 MSE الاعتراضية ثلاث مرات بحلول عام 2030، وقبل ذلك بشهر، منحت وزارة الدفاع الأميركية شركة لوكهيد مارتن عقدًا غير محدد المدة لمدة سبع سنوات بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار لتنفيذ اتفاقيتها الإطارية ومضاعفة إنتاج صواريخ THAAD الاعتراضية أربع مرات. وفي 10 آب/ أغسطس 2026، منحت وكالة الدفاع الصاروخي شركة RTX عقدًا بقيمة 745 مليون دولار لإنتاج وصيانة صواريخ SM-3 Block IIA الاعتراضية أيضًا. وفي الأسبوع التالي، أعلنت وزارة الحرب الأميركية عن توقيع عقد بقيمة 22.9 مليار دولار مع شركة RTX لزيادة إنتاج صواريخ توماهوك "بسرعة غير مسبوقة".
كما تم الإبلاغ عن النفقات الرأسمالية للربع الثاني (بملايين الدولارات الأميركية)، على أساس سنوي، للشركات المدرجة في البورصة التي وقعت اتفاقيات إطارية مع وزارة الحرب.