نتنياهو إلى مصير قاتم
لم تعد أزمة بنيامين نتنياهو مجرد تراجع عابر في استطلاع للرأي، ولا مجرد صعوبة حسابية في تأمين واحد وستين مقعداً. الصورة التي ترسمها الاستطلاعات والمقالات الإسرائيلية الأخيرة تقول إن الرجل الذي احتكر تمثيل اليمين ولقب «السيد أمن» يواجه للمرة الأولى منافساً قادراً على انتزاع التفوق منه في الميدانين معاً، غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي يتقدم انتخابياً وشخصياً ويملك فرصة التحول إلى مركز جذب سياسي بعد الانتخابات.
في استطلاع «معاريف» المنشور في 28 آب، حصل حزب آيزنكوت «يَشار» على 25 مقعداً، مقابل 20 لليكود و15 لحزب نفتالي بينيت. وحصلت كتلة المعارضة الصهيونية على 59 مقعداً، إضافة إلى 13 مقعداً للأحزاب العربية، فيما توقفت كتلة نتنياهو عند 43 مقعداً، أو 48 إذا انضم إليها حزب عوفر فينتر. أما بتسلئيل سموتريتش فتراجع إلى ثلاثة في المئة، دون نسبة الحسم، بما يهدد بضياع كتلة من أصوات اليمين تُقدّر بنحو عشرة مقاعد هي التي قال نتنياهو في تسريب إعلامي إنه خسرها وتصعب استعادتها، لأن الطريق الوحيد لذلك هو موافقة إيتمار بن غفير على التقدم للانتخابات في حزب واحد مع سموتريتش وهو ما رفضه بن غفير قطعيّاً مهدّداً بالانسحاب من ائتلاف نتنياهو.
لم يكن استطلاع القناة 12 مختلفاً في اتجاهه العام. فقد منح آيزنكوت وحزبه «يَشار» 24 مقعداً مقابل 22 لليكود، ووضع آيزنكوت في مرتبة المرشح الأنسب لرئاسة الحكومة بنسبة 44 في المئة، مقابل 34 في المئة لنتنياهو. وفي استطلاع آخر تقدّم آيزنكوت بنسبة 48 في المئة مقابل 37 لنتنياهو، كما أظهرت استطلاعات القناة 13 و«زمان إسرائيل» تقدّمه على الليكود. لذلك خلص تحليل نشرته «جيروزاليم بوست»، بعد مراجعة ستة استطلاعات، إلى أن المسألة لم تعد طفرة استطلاعية، بل تحوّلاً سياسياً قابلاً للاستمرار.
المشكلة التي تواجه نتنياهو شخصية وحزبية في آن واحد. فهو لا يخسر مقاعد فقط، بل يخسر احتكاره للثقة الأمنية أمام رئيس أركان سابق لا يستطيع اليمين الطعن في خبرته العسكرية. كما أن آيزنكوت لا يظهر في صورة زعيم يساري يهدد هوية جمهور اليمين، بل في صورة شخصية أمنية وسطية يمكن للناخب اليميني الانتقال إليها من دون الشعور بأنه انتقل إلى المعسكر المقابل.
لكن الخطر الأكبر على نتنياهو يبدأ بعد ظهور نتائج الانتخابات، لا قبلها. ففي النظام الإسرائيلي لا يُكلَّف زعيم الحزب الأكبر آلياً، بل يكلّف الرئيس الشخصية التي يعتقد أنها تملك الفرصة الأعلى لتشكيل حكومة. وإذا جاء آيزنكوت أولاً، وحصل على توصيات كتلة المعارضة وربما بعض الأحزاب العربية، يستطيع الحصول على التكليف حتى من دون امتلاكه أكثرية جاهزة من واحد وستين نائباً.
عندها تبدأ المرحلة التي قد تحسم مصير نتنياهو، كما كان يحدث مع نتنياهو في ظروف مشابهة، تبدأ المفاوضات المصلحية مع أحزاب اليمين. هذه ليست فرضية غريبة عن التقاليد الإسرائيلية. أرييل شارون ضمّ حزب العمل إلى حكومته، ونتنياهو نفسه أدخل إيهود باراك والعمل إلى حكومته عام 2009، ثم أقام حكومة مشتركة مع بيني غانتس عام 2020. أما حكومة بينيت – لابيد عام 2021 فجمعت أحزاباً من اليمين والوسط واليسار، ومعها القائمة العربيّة الموحدة، بهدف واحد هو إخراج نتنياهو من الحكم.
وبمجرد حصول آيزنكوت على التكليف، يصبح هو الذي يوزع الحقائب والميزانيات والاتفاقات الائتلافية. عندها يمكن أن تبدأ المساومات مع «شاس» صاحب المقاعد السبعة، ويهودوت هتوراه صاحبة المقاعد الثمانية، وحزب عوفر فينتر، وربما شخصيات أو مجموعات داخل الليكود إذا اقتنعت بأن عهد نتنياهو انتهى. الأحزاب الدينيّة، خصوصاً، لم تكن مرتبطة تاريخياً بشخص نتنياهو بقدر ارتباطها بمصالح جمهورها وميزانيات مؤسساتها ونفوذها داخل الدولة.
لذلك لا يحتاج آيزنكوت إلى الوصول إلى واحد وستين مقعداً قبل الانتخابات. يحتاج إلى احتلال المرتبة الأولى، ومنع نتنياهو من تكوين كتلة مانعة، والحصول على التكليف الرئاسي. بعد ذلك تتغير قواعد اللعبة: نتنياهو يصبح زعيماً عاجزاً عن تشكيل حكومة، وآيزنكوت يصبح صاحب العرض السياسي المتاح.
يبقى أمام نتنياهو الرهان على توحيد اليمين، وإنقاذ سموتريتش من السقوط، واستعادة الأصوات التي انتقلت إلى بينيت وآيزنكوت، أو استخدام حرب جديدة لاستعادة صورة «السيد أمن». وقد كتب غيرشون باسكن في «جيروزاليم بوست» أن نتنياهو يحتاج إلى حرب كي يفوز، لأن انتخابات تجري في أجواء هادئة ستتحول إلى استفتاء على إخفاق السابع من أكتوبر، والأسرى، والأثمان الاقتصادية والعزلة الدولية.
إلا أن الحرب لم تعد ضمانة لإنقاذه. فهي قد تعيد تعبئة جمهوره، لكنها قد تظهر كمأزق عسكري مع نفاد الذخائر الدفاعية، وربما تعزز أيضاً الطلب على قيادة عسكرية بديلة يمثلها آيزنكوت. وهنا يكمن المصير القاتم، كل طريق يسلكه نتنياهو للهروب من خسارته يمكن أن يقوده إليها، وإذا انتقل التكليف إلى آيزنكوت، تبدأ عملية تفكيك معسكره من الداخل، وينتهي عهد نتنياهو بالطريقة التي انتهت بها عهود إسرائيلية كثيرة، بانتقال الحلفاء إلى صاحب السلطة المقبلة.
البناء