نتنياهو بين هزيمة الصندوق ومغامرة حرب الطوارئ
دخلت “إسرائيل” عملياً الموسم الانتخابي مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول، لكن بنيامين نتنياهو يدخل السباق محمّلاً بأرقام يصعب تعديلها بحملة انتخابيّة تقليديّة. فقد منح استطلاع القناة 12 غادي آيزنكوت 44% في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، مقابل 34% لنتنياهو، فيما حصل حزب «يَشَر» بقيادة آيزنكوت على 24 مقعداً، مقابل 22 مقعداً لليكود.
– أما على مستوى الكتل، فتحصل المعارضة على 59 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لكتلة نتنياهو، بينما تحصل القوائم العربيّة على 11 مقعداً. وهذا يعني أن نتنياهو لا يخسر التفوق الشخصي والحزبي فقط، بل تبقى كتلته على مسافة أحد عشر مقعداً من الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، تتقدّم المعارضة عليه بتسعة مقاعد، لكنها تحتاج إلى مقعدين إضافيين، أو إلى دعم عربي، كي تبلغ الواحد والستين.
– تكمن خطورة هذه النتائج على نتنياهو في أنّها لا تعبر عن تراجع محدود يمكن تعويضه باستعادة أصوات يمينيّة انتقلت إلى حزب آخر داخل كتلته. فالصوت الذي يخرج من الليكود إلى أحزاب حلفائه لا يغيّر ميزان الكتل. أما صعود آيزنكوت، فيأتي على حساب ادعاء نتنياهو بأنه المرشح الوحيد الذي يمتلك الخبرة الأمنية اللازمة لقيادة “إسرائيل” في زمن الحرب.
– آيزنكوت رئيس سابق للأركان وعضو سابق في مجلس الحرب، وخسر ابنه وابن شقيقه في حرب غزة. ولذلك يصعب على نتنياهو مواجهته باتهامات الضعف أو نقص الخبرة. ويستطيع آيزنكوت مخاطبة الوسط وقسم من اليمين بلغة أمنيّة، واتهام نتنياهو بإطالة الحروب من دون أهداف قابلة للتحقيق، وبإخضاع القرارات العسكريّة لحسابات بقائه في السلطة.
– أمام هذه الأرقام، يصبح التصعيد في غزة ولبنان قابلاً للقراءة من زاوية انتخابيّة، من دون الزعم أن قرار الحرب الإقليميّة قد اتُّخذ. ففي غزة، يرفض نتنياهو الانتقال إلى وقف دائم للحرب، لأن اليوم التالي يعيد النقاش إلى الإخفاقات الأمنية وكلفة الحرب والتحقيقات والمحاكمات. كما يفرض عليه الإجابة عن الفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج التي انتهت إليها العمليات.
– وفي لبنان، تمنحه الغارات والاغتيالات والتهديدات فرصة لمخاطبة مستوطني الشمال وتقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على تغيير الواقع الأمني. لكن التصعيد المحدود لم ينعكس تحسناً في وضع كتلته التي بقيت عند 50 مقعداً، ولم يمنع آيزنكوت من التقدّم عليه بعشر نقاط. وهنا تظهر فرضية الانتقال من إدارة التصعيد إلى تفجير حرب أوسع، يمكن أن تدخل إيران على خطها من بوابة لبنان.
– تمنح حرب تشارك فيها إيران نتنياهو فرصة لتغيير جدول الأعمال كلياً. تختفي استطلاعات الرأي خلف أخبار الصواريخ والجبهات، ويتحوّل النقاش من محاسبة الحكومة إلى حماية “إسرائيل” من «خطر وجودي»، وتتعرّض المعارضة لضغوط للانضمام إلى حكومة طوارئ. وقد يحاول نتنياهو استخدام ظروف الحرب للمطالبة بتأجيل الانتخابات بحجة تعذر تنظيمها تحت القصف.
– لكن إعلان حالة الطوارئ لا يمنحه حق إلغاء الانتخابات بقرار منفرد. فتمديد ولاية الكنيست يحتاج إلى قانون يستند إلى ظروف استثنائية تمنع إجراء الاقتراع، ويتطلب أكثرية خاصة من ثمانين نائباً. وهذا يعني أن نتنياهو يحتاج إلى موافقة قسم وازن من المعارضة. ولا يستطيع الحصول عليها إلا إذا كانت الحرب واسعة إلى درجة تجعل رفض التأجيل مكلفاً سياسياً وأمنياً.
– تبقى هذه الفرضيّة محفوفة بمخاطر كبيرة. فقد يفتح نتنياهو جبهة لبنان من دون أن تنخرط إيران بصورة تمنحه مشهد الحرب الإقليمية، فتتحول المواجهة إلى استنزاف إضافي لا يؤجل الانتخابات ولا يُعيد إليه الناخبين. وتستطيع المقاومة وإيران إدارة الردود بطريقة تحرمه من الذريعة المطلوبة، مع تحميله مسؤولية التصعيد.
– أما إذا دخلت إيران الحرب، فقد تأتي النتائج بعكس ما يريده. فالقصف الكثيف للمدن والمنشآت، وتعطل المطارات والاقتصاد، وظهور محدودية مخزونات صواريخ الاعتراض، يمكن أن تحوّل الحرب إلى دليل جديد على فشل نتنياهو. وعندها يتعزّز آيزنكوت بوصفه القائد العسكري الأكثر اتزاناً، بدلاً من أن يتراجع أمام صورة «نتنياهو رجل الحرب».
– كذلك لا تبدو الموافقة الأميركية مضمونة. فواشنطن تحرّك الوسطاء الباكستاني والعُماني والقطري لتسريع التفاوض مع إيران، وتبحث عن استعادة الملاحة وخفض أسعار النفط. وقد ترى في الحرب الإسرائيليّة الواسعة محاولة لنسف التسوية وتوريطها في مواجهة لا تريدها، خصوصاً إذا اشتبهت بأن هدفها الحقيقيّ إنقاذ نتنياهو انتخابياً.
– لا توجد، إذاً، خطة مثبتة لإلغاء الانتخابات بالحرب، بل توجد مصلحة سياسية واضحة لدى نتنياهو في تغيير المشهد الذي ترسمه الاستطلاعات. فهو يتأخّر أمام آيزنكوت بعشر نقاط، ويأتي الليكود خلف «يَشَر»، وتحصل كتلته على 50 مقعداً مقابل 59 للمعارضة.
– لهذا يصبح التصعيد خياراً مغرياً، لكنه بالغ الخطورة. فإذا نجح نتنياهو في تحويله إلى حرب إقليمية وانتزع موافقة المعارضة على التأجيل، يشتري وقتاً إضافياً في السلطة. أما إذا فشل في استدراج إيران، أو رفضت واشنطن تغطيته، أو ارتفعت الخسائر الإسرائيلية، أو امتنعت المعارضة عن منحه الثمانين نائباً، فقد تتحوّل الحرب من وسيلة لتأجيل الهزيمة الانتخابية إلى سبب لتسريعها.