إيران تستنزف فائض القوة الأميركية…؟
عباس المعلم
تدخل الولايات المتحدة مرحلة مختلفة في حربها مع إيران؛ فالمسألة لم تعد تنحصر فقط بعدد الضربات أو بما تحققه القوة العسكرية في الميدان، بل بما بدأت الحرب تستنزفه من الرأسمال المالي والسياسي والاستراتيجي الأميركي. فقد بلغ الدين العام الأميركي مستويات تاريخية، بالتزامن مع هبوط تأييد الرئيس دونالد ترامب إلى 33% في أحدث استطلاع لـ«رويترز/ إبسوس»، وهو الأدنى في ولايته الحالية. والأكثر دلالة أنّ المزاج الشعبي لا يبدو قلقاً من الحرب وحدها، بل من طولها وانعكاساتها الاقتصادية، في وقت يعتقد فيه معظم الأميركيين أنها لن تكون قصيرة كما جرى تقديمها في بداياتها.
هنا تستعيد الذاكرة الأميركية نمطاً تكرّر خلال العقود الثلاثة الماضية: تفوّق ساحق في لحظة فتح الحرب، ثم ارتباك متزايد عندما تتحوّل العملية العسكرية إلى التزام مفتوح لا يعرف أحد أين تنتهي فاتورته. في أفغانستان عام 2001 سقطت بنية طالبان العسكرية سريعاً، لكن الحرب امتدّت عشرين عاماً وانتهت بانسحاب أميركي أعاد طالبان إلى كابول. وفي العراق عام 2003 احتاج الجيش الأميركي أسابيع لإسقاط النظام، لكنه احتاج سنوات طويلة للخروج من حرب تحوّلت إلى تمرّد وفوضى إقليمية وأعباء مالية هائلة. وقد قدّر مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون الإنفاق والالتزامات المرتبطة بحروب ما بعد 11 أيلول بتريليونات الدولارات، مع تحميل الدين العام فوائد مستقبلية ضخمة.
لكن المفارقة اليوم أكثر خطورة. فأفغانستان والعراق كانتا حربين خاضتهما واشنطن في بيئة تستطيع فيها التحكم نسبياً بمسرح العمليات، ولم يكن الخصم يمتلك قدرة مؤثرة على ضرب شرايين الاقتصاد العالمي. أما إيران، فالمعادلة مختلفة جذرياً: دولة كبيرة، ترسانة صاروخية، جغرافياً ممتدة، وشبكة تأثير إقليمية، وفوق ذلك قدرة على جعل مضيق هرمز جزءاً من ساحة القتال. لذلك لا تدفع أميركا ثمن الحرب بالقنابل وحدها؛ بل في سعر النفط، وكلفة النقل، والتضخم، وعوائد السندات، والضغط على الاحتياطي النفطي، ثم في المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل الجبهة الاقتصادية هنا امتداداً مباشراً للجبهة العسكرية.
أما عسكرياً، فتظهر نقطة ضعف لم تكن واضحة بهذا الحجم في حروب العقود السابقة: اقتصاد الذخيرة. الحملة ضدّ إيران أصبحت، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من أكثر الحملات الأميركية كثافة في استهلاك الذخائر منذ عقود، واستنزفت آلاف الصواريخ الهجومية والاعتراضية المتطورة، من «باتريوت» و«ثاد» إلى «توماهوك». وتقديرات المركز تشير إلى هبوط مخزون بعض صواريخ الدفاع الجوي إلى مستويات تستوجب الحذر، بينما يحتاج تعويض أجزاء من هذه الترسانات سنوات لا أشهراً.
وهذه النقطة تميّز حرب إيران عن العراق وأفغانستان على نحو جوهري. ففي الحروب السابقة كان الاستنزاف الأميركي الأكبر في المال والقوات والزمن السياسي؛ أما اليوم، فواشنطن تستهلك أيضاً ذخائر عالية القيمة يحتاجها أيّ صدام محتمل مع قوة كبرى، أيّ أنّ الصاروخ الاعتراضي الذي يُستخدم فوق الخليج(الفارسي) لا يختفي من حسابات الشرق الأوسط فقط، بل من حسابات المحيط الهادئ وتايوان وردع الصين. ولهذا لم تعد تكلفة الحرب الإيرانية تُحسب وفق سؤال: كم تحتاج القيادة المركزية الأميركية؟ بل وفق سؤال أشدّ حساسية: ماذا يبقى للقيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ إذا انفجرت أزمة ثانية؟ وقد حذر محللون أميركيون بالفعل من أنّ استنزاف هذه المخزونات يفتح نافذة ضعف مؤقتة أمام سيناريو صدام في غرب المحيط الهادئ.
وإذا كانت تجربة ليبيا عام 2011 قد أظهرت أنّ حتى حرباً جوية محدودة نسبياً تستطيع كشف مشكلات في مخزون الذخائر الدقيقة لدى أعضاء حلف شمال الأطلسي، فإنّ حرب إيران تكشف المشكلة على مستوى أعلى بكثير: الصناعة العسكرية نفسها لا تتحرك بسرعة الحرب. يمكن للقاذفة أن تطلق صواريخ بمئات الملايين خلال أيام، لكن خطوط الإنتاج لا تستطيع إعادة ملء المخازن بالسرعة نفسها. وهنا تظهر فجوة بين القوة الأميركية كما تبدو على شاشة العمليات وبين قدرتها الصناعية على تجديد تلك القوة في حرب طويلة.
سياسياً، يعيد ذلك أيضاً إنتاج إحدى أكثر مشكلات الاستراتيجية الأميركية ثباتاً منذ فيتنام وحتى العراق وأفغانستان: الرئيس يبدأ الحرب انطلاقاً من تفوق عسكري واضح، ثم يكتشف أنّ الوقت يعمل لمصلحة الخصم بقدر ما يعمل لمصلحته. فالخصم لا يحتاج بالضرورة إلى هزيمة الجيش الأميركي عسكرياً؛ يكفي أحياناً أن يمنعه من تحقيق خاتمة سياسية رخيصة وسريعة. عندها تبدأ الأسعار، والخسائر، والإنفاق الإضافي، وصور الاعتراضات الصاروخية، وأرقام الدين، واستطلاعات الرأي، بالتحوّل إلى سلاح سياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.
وهنا تبرز عقدة ترامب تحديداً. فقد بنى جزءاً مهماً من صورته السياسية على أنه الرئيس الذي يرفض «الحروب التي لا تنتهي»، ويحتقر الإرث الذي خلّفته أفغانستان والعراق، ويقدم نفسه كرجل صفقات يفرض شروطه بالقوة ثم يغادر. لذلك فإنّ تورّطه في حرب طويلة مع إيران يحمل خطراً سياسياً مضاعفاً: ليس فقط لأنها مكلفة، بل لأنها قد تجعله ينتهي داخل النموذج نفسه الذي بنى خطابه السياسي على مهاجمته. ومع وصول تأييده إلى 33%، واقتراب انتخابات التجديد النصفي، تصبح كلّ جولة إضافية في الحرب جزءاً من المعركة الداخلية على الكونغرس، لا مجرد قرار صادر عن غرفة العمليات.
لهذا فإنّ السؤال الاستراتيجي الحقيقي لم يعد: هل تستطيع أميركا الانتصار عسكرياً على إيران؟ فالقدرة التدميرية الأميركية ليست موضع شك. السؤال هو: هل تستطيع تحويل تلك القدرة إلى نتيجة سياسية واضحة قبل أن تتحول الحرب إلى ماكينة استنزاف ذاتي؟
لقد أثبتت الولايات المتحدة خلال ثلاثين عاماً أنها تستطيع دخول الحروب بسرعة مذهلة، لكنها أثبتت أيضاً أنّ الخروج منها بشروطها أصعب بكثير من دخولها. العراق وأفغانستان كانا شاهدين على الفجوة بين الانتصار العملياتي والنتيجة الاستراتيجية. وإذا استمرت حرب إيران في استنزاف الطاقة والذخائر والمال والشعبية السياسية في وقت واحد، فقد تكون المفارقة الأكبر أنّ القوة العسكرية الأميركية لا تتعرّض للهزيمة في الميدان، بينما تبدأ كلفة استخدامها المفرط بتقليص هامش القوة الأميركية على المستوى العالمي.
فالإمبراطوريات لا تُستنزف دائماً عندما تخسر معاركها؛ أحياناً يبدأ استنزافها الحقيقي عندما تضطر إلى دفع أثمان متصاعدة كي تثبت، مرة بعد أخرى، أنها ما زالت قادرة على خوضها…