من الخطر التكتيكي إلى المعضلة الاستراتيجية..المُسيّرات تعيد تشكيل معادلة التهديد في الجبهة الشمالية
عباس المعلم
ما تكشفه التقارير “الإسرائيلية” المتلاحقة عن سباق محموم لتطوير وسائل اعتراض جديدة للطائرات المُسيّرة (FPV) لا ينبغي قراءته باعتباره تحديثاً تقنياً اعتيادياً في منظومة الدفاع الجوي. المسألة أعمق من ذلك؛ إذ يبدو أنّ المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” باتت تتعامل مع المُسيّرات، ولا سيما الصغيرة والانتحارية منها، بوصفها فئة تهديد مستقلة خرجت خلال أشهر من نطاق الإزعاج التكتيكي للقوات الميدانية إلى مستوى الخطر القادر على التأثير في بنية الحماية الاستراتيجية داخل “إسرائيل” نفسها.
المؤشر الأهمّ هنا ليس ظهور منظومة بعينها، بل تعدّد الحلول التي يجري البحث عنها في الوقت نفسه: تشويش إلكتروني، حرب ملاحة، اعتراض فيزيائي منخفض الكلفة، تطوير منظومات دفاع جوي، وصولاً إلى وسائل تعتمد الأتمتة والذكاء الاصطناعي. فالصناعات الجوية الإسرائيلية أعلنت بالفعل في تموز/ يوليو 2026 عن منظومة «HYPNOSIS»، المصمّمة لمواجهة أعداد كبيرة من المُسيّرات والذخائر الجوية أحادية الاتجاه عبر تعطيل أو حرمان أنظمة الملاحة والتوقيت الفضائي، ضمن طبقة «قتل غير حركي» مكمّلة للاعتراض الصاروخي التقليدي.
وهنا تظهر أولى علامات القلق العملياتي: عندما تضطر قوة تمتلك واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي كثافة وتطوراً إلى البحث بالتوازي عن حلول إلكترونية وكهروميكانيكية وشبكية ومنخفضة الكلفة، فهذا يعني أنّ المشكلة لم تعد في إسقاط جسم طائر منفرد، بل في اقتصاد الاعتراض نفسه. فالمُسيّرة الرخيصة نسبياً تستطيع إجبار المدافع على تشغيل سلسلة مكلفة من الكشف والتصنيف والتتبّع والاشتباك، بينما يصبح التحدي أشدّ تحت الإطلاق الكثيف والمتزامن. وهذا تحديداً ما تقرّ به فلسفة «HYPNOSIS»: الاعتراض الحركي وحده ليس حلاً اقتصادياً مستداماً أمام الهجمات الكثيفة وغير المتناظرة.
الأخطر أنّ المُسيّرة الصغيرة تضغط على ما يمكن تسميته عسكرياً زمن دورة القتل؛ أيّ الفترة الممتدة من اكتشاف الهدف وتوصيفه إلى اتخاذ قرار الاشتباك وتحقيق الاعتراض. فصغر المقطع الراداري، والتحليق المنخفض، والاستفادة من التضاريس والعوائق، وقصر المسافة بين نقطة الظهور والهدف المحتمل، كلها عوامل تقلّص نافذة القرار. وبالتالي فإنّ المشكلة ليست «هل تستطيع إسرائيل إسقاط المُسيّرة؟»، بل: هل تستطيع اكتشاف أعداد كبيرة منها مبكراً، وتصنيفها، وتخصيص وسيلة الاعتراض المناسبة لكل واحدة منها، وبكلفة قابلة للاستمرار؟
ومن هنا أيضاً يمكن فهم تحديث القبة الحديدية واختبارها في حزيران/ يونيو الماضي ضدّ سيناريوات تشمل المُسيّرات وكثافة النيران، بالتوازي مع دمج منظومة الليزر في إدارة المعركة. وزارة الدفاع “الإسرائيلية” نفسها قالت إنّ الاختبارات أخذت في الاعتبار «الدروس العملياتية» واشتملت على التعامل مع معدلات وأحجام مرتفعة من النيران. وهذه نقطة شديدة الدلالة: التحدي انتقل من اعتراض المنصة الواحدة إلى إدارة التشبّع الجوي والمحافظة على تماسك شبكة الدفاع عندما تتزاحم التهديدات داخل الحيز نفسه.
عقدة حزب الله: ماذا لو انتقلت الكثافة إلى داخل فلسطين المحتلة؟
القلق “الإسرائيلي” يصبح أكبر عند إسقاط هذه المعادلة على حزب الله. فبحسب مركز «ألما» الإسرائيلي، برز استخدام المُسيّرات الصغيرة، ومنها المُسيّرات ذات الرؤية المباشرة، كسلاح ميداني بارز خلال المواجهات الأخيرة في جنوب لبنان، مع تسجيل إصابات وخسائر في صفوف القوات “الإسرائيلية”. وبغض النظر عن تقديرات المركز وانحيازاته، فإنّ أهمية المعطى تكمن في أنّ النقاش “الإسرائيلي” نفسه بات ينظر إلى هذه الوسيلة كتهديد متطوّر وليس كسلاح هامشي.
لكن الخشية الاستراتيجية تتجاوز ما يحدث للقوات الموجودة في جنوب لبنان. فالسيناريو الأكثر تعقيداً بالنسبة لـ “إسرائيل” هو نقل نمط الضغط بالمُسيّرات من المجال التكتيكي الحدودي إلى العمق “الإسرائيلي”، مع رفع وتيرة الإطلاق وتوسيع بنك الأهداف. عندها لن تكون المسألة مجرد حماية قوة عسكرية منتشرة في قطاع جغرافي محدود، بل توزيع مظلة مضادة للمُسيّرات على منشآت عسكرية ومرافق حيوية وعقد قيادة واتصالات ومناطق مأهولة ومسارات لوجستية في مساحة أوسع بكثير.
وهذا التحوّل يغيّر حسابات الدفاع جذرياً. فالجبهة الحدودية يمكن تعزيزها بأجهزة استشعار ووسائل تشويش واعتراض موزعة بكثافة، أما حماية عمق واسع من أهداف صغيرة ومنخفضة البصمة فتفرض مشكلة مختلفة تسمّى عملياً تشتّت الموارد الدفاعية. كلّ نقطة حساسة تحتاج إلى كشف وإنذار واعتراض وحرب إلكترونية وقيادة وسيطرة؛ وكلما اتسعت رقعة الحماية انخفضت كثافة الوسائط المتاحة لكلّ قطاع.
ويضاف إلى ذلك عامل أكثر تعقيداً: ليست كلّ المُسيّرات بالضرورة رهينة الملاحة الفضائية بالطريقة نفسها. ولهذا فإنّ التشويش على الملاحة، رغم أهميته، يمثل طبقة من الحلّ وليس «مظلة سحرية». منظومة «HYPNOSIS» نفسها تُقدَّم رسمياً كجزء مكمل ضمن هندسة دفاع متعددة الطبقات، لا كبديل شامل للاعتراض الحركي. وهذا يعني أنّ “إسرائيل” تتحضّر عملياً لمعادلة تداخل وسائل الاعتراض: تشويش وخداع ملاحي واعتراض حركي ووسائل قصيرة المدى، بدل الاتكال على نظام واحد.
السلاح الذي يفرض كلفته قبل أن يصيب
الأهمية الاستراتيجية للمُسيّرات لا تقاس فقط بكمية المتفجرات التي تحملها. قيمتها تكمن أيضاً في قدرتها على فرض عبء دفاعي غير متناسب مع كلفتها الهجومية. فالتهديد المستمر يجبر الخصم على إبقاء الرادارات والمستشعرات ووحدات الحرب الإلكترونية وفرق الاعتراض في جاهزية مرتفعة، ويستنزف ساعات التشغيل والذخائر والقوى البشرية ومنظومات القيادة والسيطرة.
وبذلك تنتقل المُسيّرة من كونها «ذخيرة طائرة» إلى أداة لإنتاج ضغط عملياتي تراكمي. حتى المُسيّرات التي تُسقط قد تكون قد حققت جزءاً من وظيفتها إذا أجبرت الطرف المقابل على كشف مستشعراته، وتشغيل دفاعاته، وتخصيص موارد إضافية للحماية، وإعادة توزيع وحداته، ورفع حالة التأهب على مساحات واسعة.
أما إذا اقترنت هذه المُسيّرات مستقبلاً بكثافة عددية أكبر وتزامن زمني مع أنواع أخرى من التهديدات الجوية، فإنّ المشكلة تصبح مشكلة هندسة منظومة الدفاع الجوي برمتها. وهذا هو جوهر مفهوم الإغراق: ليس المطلوب بالضرورة أن تفشل كلّ طبقات الدفاع، وإنما دفع شبكة الكشف والقرار والاعتراض إلى الاقتراب من حدود قدرتها الاستيعابية. ولهذا صُمّمت «HYPNOSIS» تحديداً للتعامل مع الهجمات الكثيفة والنمط الأسرابي، فيما تشير الأدبيات الدفاعية إلى أن كثافة المسيّرات قد ترفع احتمالات اختراق بعض المنصات للشبكة الدفاعية.
من سلاح إسناد إلى عنصر في ميزان الردع
بهذا المعنى، ما يقلق “إسرائيل” ليس المُسيّرة المفخخة منفردة، وإنما مسار تطورها الوظيفي. لقد بدأت كسلاح استطلاع وإسناد وضرب محدود، ثم تحوّلت إلى منصة منخفضة الكلفة تستطيع تهديد القوات والمواقع، وهي اليوم تدفع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية إلى تطوير طبقة كاملة جديدة من تقنيات المواجهة.
وإذا تمكن حزب الله من الحفاظ على مخزون معتبر من هذه الوسائط، وتطوير تنوعها وقدرتها على العمل في بيئات تشويش معقدة، فإنّ القلق “الإسرائيلي” سيتركز على احتمال الانتقال من الاستخدام الموضعي إلى الضغط الكمي المستدام. عندها تصبح المعضلة أكبر من سؤال عدد المُسيّرات التي يمكن اعتراضها؛ السؤال يصبح: كم منطقة يجب حمايتها في اللحظة نفسها، وكم منظومة يجب نشرها، وكم تبلغ كلفة إبقائها في جاهزية دائمة؟
لهذا يمكن القول إنّ المُسيّرات عبرت، في القراءة الإسرائيلية نفسها، عتبة مهمة: من خطر تكتيكي يهدد الجندي والنقطة العسكرية إلى خطر استراتيجي يضغط على هندسة الدفاع والاقتصاد العملياتي وتوزيع الموارد وحماية العمق. وما يجري تطويره اليوم من حرب ملاحة وذكاء اصطناعي واعتراضات منخفضة الكلفة ليس دليلاً على أنّ “إسرائيل” وجدت الحلّ النهائي، بل دليل على أنها أدركت أنّ طبيعة المشكلة تغيّرت.
والسيناريو الذي يحمل العبء الأكبر في الحساب “الإسرائيلي” ليس إطلاق مُسيّرة هنا أو هناك، بل احتمال أن يتحوّل ما اختبرته القوات على الجبهة اللبنانية إلى نمط نيران واسع ومتكرّر داخل فلسطين المحتلة؛ بحيث يصبح الدفاع مطالباً بمواجهة عدد كبير من الأهداف الصغيرة، في أزمنة قصيرة، وعلى اتجاهات متعددة، وبكلفة يجب أن تبقى قابلة للاستمرار. عند هذه النقطة تحديداً تتحوّل المُسيّرة من سلاح في الحرب إلى أداة لإعادة هندسة الحرب نفسها…