هل يتجرأ العسكر على ردع تهور الرئاسات؟
ناصر قنديل
– في واشنطن، انتهت مهلة الستين يوماً التي نصت عليها مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، وأعلن الرئيس دونالد ترامب أنه لا توجد مفاوضات جارية أو مقررة، فيما أعلنت إيران أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً حتى تنفذ واشنطن التزامات المذكرة، وأنها ستنتقل إلى الوضع الهجومي إذا سقطت الدبلوماسية نهائياً. لم يعد الخلاف إذاً حول موعد تفاوضي جديد، بل حول احتمال انتقال الطرفين من مرحلة الانسداد إلى اختبار القوة.
– لكن المؤسسة العسكرية الأميركية سبق أن قالت كلمتها بطريقة يصعب تجاهلها. فقد كشفت شبكة «سي أن أن»، في 7 آب، أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أبلغ كبار المسؤولين بضرورة البحث عن «مخرج» من الحرب مع إيران، في ظل تضاؤل الخيارات العسكرية القادرة على إنتاج نتيجة سياسية. ولم يكن كلام كين اعتراضاً نظرياً على الحرب، بل خلاصة تجربة أظهرت أن القوة الجوية تستطيع تدمير أهداف كثيرة، لكنها لا تستطيع إجبار إيران على الاستسلام، ولا ضمان فتح مضيق هرمز، ولا حماية القوات الأميركية إذا قررت طهران توسيع ردها.
– سبق لكين أن أثار مع نائب الرئيس جي دي فانس، خلال اجتماع في البيت الأبيض، القلق من تراجع مخزون الذخائر. وتزامن ذلك مع خروج أرقام تكشف حجم الاستنزاف؛ فقد قدرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن مخزون صواريخ باتريوت الأميركية تراجع من نحو 2200 صاروخ قبل الحرب إلى أقل من 827، وأن مخزون ثاد انخفض من 452 إلى أقل من 278 صاروخاً. وتحدثت تقارير أخرى عن استخدام الولايات المتحدة أكثر من ألف صاروخ اعتراضي متطور، فيما لا يستطيع الإنتاج تعويض المستهلك إلا خلال سنوات.
– دلالة موقف كين لا تكمن فقط في الأرقام، بل في أنه نقل النقاش من كيفية توجيه ضربة جديدة إلى ضرورة إيجاد مخرج. رئيس الأركان يعرف أن واشنطن لا تعاني نقصاً في وسائل الهجوم، بل في القدرة على تحمل الرد. وإذا أطلق ترامب حرباً جديدة، تستطيع إيران الجمع بين الصواريخ الباليستية والمجنّحة والمسيّرات والألغام والزوارق، ومهاجمة القواعد والسفن و”إسرائيل” والمنشآت الخليجية في وقت واحد.
– لا تحتاج إيران إلى هزيمة الأسطول الأميركي كله؛ يكفي إغراق مدمّرة أو سفينة إمداد، أو إصابة قاعدة مكتظة، ومقتل عشرات أو مئات الجنود، كي تتحول الضربة التي أرادها ترامب محدودةً إلى حرب ثأر أميركية مفتوحة. وعندها تقفز أسعار النفط، وتتدهور أسواق السندات والأسهم، بينما يُستنزف المتبقي من صواريخ الدفاع خلال أيام.
– هنا يصبح السؤال أخلاقياً وعسكرياً في آن: هل يقبل الجنرال كين، بعدما دعا إلى إيجاد مخرج وكشف حجم المأزق أمام الإدارة، أن يضع توقيعه العسكري على مغامرة تناقض تقديره المهني؟ مكرّراً تنفيذ قرار ترامب كما فعل في الانخراط بحرب اقترحها نتنياهو بحضوره في اجتماع 11 شباط وعارضها كين بحضور الرئيس ترامب ثم التزم بها، وهل يستطيع ترامب تجاهل تحذير صادر عن أعلى قيادة عسكرية وهو قد فعل ذلك في حرب شباط، أم أنه سوف يلجأ إلى تحميل الجيش مسؤولية الخسائر إذا تحقق السيناريو الذي حذر منه كما فعل نتنياهو مع الفشل الكبير في 7 أكتوبر؟
– في “إسرائيل” يظهر الامتحان نفسه حول علي الطاهر. يريد بنيامين نتنياهو نصراً انتخابياً يستطيع تقديمه بوصفه استسلاماً للمقاومة أو نزعاً لسلاحها على يد الجيش اللبناني. لكن الجيش اللبناني لن يدخل في مواجهة مع المقاومة، والمقاومة لن تسلّم الموقع والأنفاق بلا قتال. لذلك لا يبقى أمام نتنياهو، إذا أراد صورة انتصار سريعة، سوى دفع الجيش الإسرائيلي إلى اقتحام واسع.
– أما الوقائع الميدانية فتقول إن الجيش الإسرائيلي فضّل حتى الآن الحصار، واستخدام الروبوتات والآليات الهندسية، وقطع طرق الإمداد، وتجنب الدفع بأعداد كبيرة من الجنود إلى الأنفاق. كما جُمّد التقدم التكتيكي في أجزاء من الموقع بسبب حساسية الموقف. وأظهرت إصابة جنود من وحدة «يهلوم» بطائرة مسيّرة، وسقوط قتلى وجرحى في عمليات سابقة، أن المقاومة لم تفقد القدرة على القتال.
– يعرف الجيش الإسرائيلي أن اقتحام علي الطاهر لا يضمن بقاء المعركة هناك؛ فسقوط وقف إطلاق النار يعني عودة الصواريخ إلى المستوطنات الشمالية، وقد يعني استهداف الضاحية ودخول إيران على خط الردّ. وعندها تحتاج “إسرائيل” إلى مخزون كبير من صواريخ أرو وثاد وباتريوت في اللحظة التي تعاني فيها هي وواشنطن تراجعاً خطيراً في المتاح منها.
– يحتاج نتنياهو إلى حرب تمنحه انتصاراً قبل الانتخابات، لكن الجيش قد يجد نفسه أمام حرب تعيد المستوطنين إلى الملاجئ وتستنزف آخر ما تبقى من مظلته الدفاعية. كما يحتاج ترامب إلى ضربة توحي بأنه نجح بفرض شروطه بعد سقوط التفاوض، لكن جنرالاته يعرفون أن الضربة قد تغرق سفناً وتقتل مئات الجنود.
– لذلك ليس السؤال هل يملك العسكر حق رفض الرؤساء، بل هل يستسلمون لمغامرة يعرفون أنها تفتقر إلى الغطاء الدفاعي وطريق الخروج؟ في واشنطن بدأ الجنرال دان كين الإجابة بالدعوة إلى مخرج، ويبقى السؤال: هل يملك الجيش الإسرائيلي الشجاعة نفسها قبل أن يحوّل نتنياهو علي الطاهر من هدف انتخابي إلى بوابة حرب إقليمية؟