kayhan.ir

رمز الخبر: 228360
تأريخ النشر : 2026August16 - 21:10

التصعيد اليمني – السعودي..جوهر المشكلة وسر الحل

 

المعادلة اليمنية تقوم على التصعيد مقابل التصعيد والضغط مقابل الضغط لإجبار السعودية على تنفيذ استحقاقات السلام وإنهاء العدوان والحصار.

علي ظافر

لم تأتِ معادلة "التصعيد مقابل التصعيد" التي تتبناها صنعاء من فراغ، بل تشكلت في سياق سنوات طويلة من العدوان الشامل والحصار الظالم والضغوط الاقتصادية والإنسانية القاسية. ومن منظور صنعاء، فإن المجتمع الدولي لم ينجح في إنهاء الأسباب التي أبقت اليمن تحت الضغط، بل انشغل في كثير من الأحيان بإدانة ردود الفعل اليمنية أكثر من معالجة مسبباتها.

ولهذا، باتت القوات المسلحة اليمنية تتعامل مع الضغط العسكري باعتباره وسيلة لفرض معادلة مقابلة، وهي الحصار مقابل الحصار، والضغط مقابل الضغط، والتصعيد مقابل التصعيد، وضرب التحشيدات السعودية استباقاً قبل أن يدفع بها لخدمة الأجندة السعودية في الداخل اليمني، والهدف المعلن من كل هذه المعادلات هو دفع النظام السعودي إلى تنفيذ استحقاقات السلام ووقف العدوان والحصار المستمرين ومعالجة كل ملفات الحرب.

المجتمع الدولي يراقب النتيجة ويتجاهل الأسباب

المفارقة الأبرز أن كثيرًا من المواقف الدولية والعربية تسلخ العمليات اليمنية عن سياقها، وتتعامل معها باعتبارها نقطة البداية، بينما يجري تجاهل السياق الذي أنتجها. فحين ترد صنعاء على الحصار أو التصعيد أو التحشيدات السعودية، تتوالى بيانات الإدانة والتحذير من تهديد "الأمن" و"السلام" و"الملاحة"، بينما لا تحظى الأسباب التي دفعت صنعاء إلى الرد بالاهتمام نفسه.

وهذه الازدواجية، تضع الضحية أمام معادلة غير عادلة، يُطلب من صنعاء إيقاف ردها باستمرار، في حين لا يُمارس الضغط نفسه على النظام السعودي المسؤول الأول عن العدوان والحصار وكل ما أفرزاه من كارثة إنسانية واقتصادية. كما أن استمرار الازدواجية الإقليمية والدولية يأتي في سياق المحاولة لتثبيت سردية أن الرد اليمني هو المشكلة بينما أسباب الرد ليست موضع نقاش، وإن وضعت ففي إطار مجحف بحق اليمن واليمنيين، وكلما ضغط اليمنيون لانتزاع حقوقهم اتهموا بـ "خدمة الأجندة الإيرانية" وتوالت بيانات الإدانة والاستنكار، وذهبت الرياض بدلاً من معالجة أسباب المشكلة وتنفيذ استحقاقات السلام إلى توسيع دائرة التصعيد وتشكيل تحالفات وأحلاف لا حصر لها ولا طائل منها إلا إطالة الأزمة من دون حل.

التحالفات الورقية لا تصنع ردعاً

تواصل السعودية تحركاتها لتوسيع شبكة تحالفاتها "الدفاعية" - مع أنها تاريخياً في موقع الهجوم والعدوان وليس الدفاع - ومنها الاتفاق مع تركيا وباكستان، باعتبارها محاولة لتعزيز الردع وإعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية من منظور الرياض، لكن صنعاء في المقابل تؤكد أن إدخال أطراف إقليمية جديدة في الصراع لن يصنع ردعاً ولن يغير جوهر المشكلة، فالقوات المسلحة لن تردع أو توقف عملياتها وهي تستند بذلك إلى مظلومية شعب وتفويض غير مسبوق وتجربة ليست ببعيدة مع "تحالف الازدهار" و"تحالف سبيدس" و"تحالف أميركا- إسرائيل". ما يعني أن توسيع التحالفات العسكرية لا يمكن أن يكون رادعاً لليمنيين ولن يثنيهم عن مواصلة المعادلات المشروعة لاستعادة الحقوق العادلة والمحقة.  وفيما لو وجدت التحالفات الهولامية طريقها إلى التصعيد، فلن تستطيع فرض واقع جديد عجز عنه الأميركي والبريطاني والإسرائيلي، وإنما ستدفع صنعاء إلى تطوير معادلات رد وردع أكثر اتساعًا وتأثيراً وإيلاماً؟ وعلى النظام السعودي أن يراجع حساباته ويقرأ التجارب السابقة التي أثبتت أن القوة العسكرية والضغوط فشلت في كسر إرادة اليمنيين، كما بيّنت أن زيادة الضغط قد تنتج في المقابل زيادة في الرد، ولن تؤدي إلى الاستسلام وهذا ما تثبته الأحداث وتؤكده مختلف المستويات القيادية في صنعاء.

إحاطة المبعوث الأممي: وصفة جاهزة أم مقاربة متوازنة

بعد شهر من الدفع السعودي نحو التصعيد الشامل عدواناً وحصاراً وتحشيداً في مأرب والمخا وحضرموت ...الخ، وما تخلله من عمليات يمنية باستهداف سفن ومنشآت نفطية سعودية، وتحشيدات في المخا ومأرب وحضرموت، قدّم المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غراند برغ إحاطة منحازة للسردية السعودية- الأميركية، إذ بدا تركيزه في الإحاطة الأخيرة أمام مجلس الأمن منصباً على النتيجة أي ردة الفعل اليمنية المشروعة بوصفها "تهديداً" فيما لم يذكر السعودية أو يشر إليها كما لم تمنح تلك الإحاطة الأسباب والمسببات الحيز والمساحة اللازمة، وظهر كمن يحاول تقديم صك غفران وبراءة للنظام السعودي من عدوانه وحصاره على اليمن وتداعياتهما وما يترتب عليه من مسؤوليات والتزامات. ومن باب إسقاط العتب وضع الملفات الإنسانية والاقتصادية، وفي مقدمتها المطار والميناء والمرتبات والطرق، في هامش إحاطته كملفات تفاوضية قابلة للأخذ والرد والتسويف والتطويل أكثر من الحرب نفسها، رغم أنها بالنسبة إلى ملايين اليمنيين استحقاقات أساسية لا تحتمل المزيد من المماطلة بعد أربع سنوات من خفض التصعيد.

والنتيجة أن تلك الإحاطة وبتلك المقاربة لا تعالج جوهر المشكلة بقدر ما تحاول احتواء نتائجها، وإدانة الرد اليمني، والتحذير من "مخاطره"، ثم دعوة الأطراف (لم يسم السعودية كطرف أساسي) إلى التفاوض، من دون وضع حد واضح للأسباب التي أنتجت التصعيد أصلًا.

التصعيد ليس هدفًا بل ضرورة

من الخطأ قراءة العمليات اليمنية باعتبارها هدفًا قائمًا بذاته أو ربطها بسياقات أخرى في الإقليم والعالم، فالمعادلات اليمنية تشكلت على مدى 12 عاماً من العدوان والحصار والضغوط القصوى اقتصادياً وإنسانياً، ووصلت صنعاء إلى قناعة باستخدام القوة كخيار ضرورة لإجبار النظام السعودي على تنفيذ استحقاقات السلام وفق خارطة الطريق التي أفرزتها وساطة عمانية ورعاية أممية أو تدفيع النظام السعودي كلفة استمراره في العدوان الشامل والحصار الظالم.

وتؤكد صنعاء أن إيقاف العمليات لن يكون مطلقاً بإعلان مزيد من التحالفات والتهديدات، بل بإيقاف أسبابها، فإذا توقف العدوان والحصار السعوديان وانتهت الضغوط على المنافذ والاقتصاد والموارد، وأُغلقت الملفات الإنسانية والاقتصادية العالقة، فإن صنعاء ستوقف عملياتها هذا بالنسبة إلى النظام السعودي. أما بالنسبة إلى المنافقين المصطفين في طوابير الإدانات أو الاصطفافات العسكرية للضغط مع مطالبة صنعاء وحدها بضبط النفس، فلن يؤدي إلى نتيجة إلا تكريس معادلة التصعيد المتبادل.

السعودية أمام مسارين

أمام الرياض عمليًا خيارات أبرزها: إما الاستمرار في سياسة الضغط والتحالفات العسكرية، وهو خيار أثبت فشله وعدم جدواه وسيرفع كلفة المواجهة عليها من دون تحقيق أهدافها؛ أو العودة إلى تفاهمات خفض التصعيد وتنفيذ الاستحقاقات ومعالجة جذور المشكلة ومسبباتها ومعالجة ملفات الحرب، وهذا هو الخيار الأكثر واقعية والأكثر مصلحة والأقل كلفة لأن كلفة الحرب ستظل أعلى من كلفة السلام، ولأن التجربة أثبتت ذلك.

الخلاصة

في الخلاصة، فإن معادلة صنعاء واضحة، إذا أراد النظام السعودي نجاح خططه الطموحة وحماية مصالحة ومنشآته النفطية في العمق والبحر، فإن الطريق لا يبدأ من مجلس الأمن وبيانات الإدانة المدفوعة الثمن، ولا من تشكيلات التحالفات الظرفية، وإنما بإنهاء الأسباب وتنفيذ استحقاقات السلام المتمثلة بإنهاء العدوان والحصار والانسحاب وإعادة الإعمار وجبر الضرر، وفي مقدمة كل ذلك معالجة الملفات الإنسانية. أما تشكيل التحالفات، وتعزيز الضغوط وخنق الشعب وعزل صنعاء سياسيًا، فإن صنعاء لن تتعامل معها باعتبارها قدرًا دائمًا.

وبالتالي، فإن النظام السعودي بين خيارين لا ثالث لهما، أما المجتمع الدولي والدول التي لا تنفك عن إدانة اليمن فعليها أن تسأل نفسها أولاً: ماذا يجب أن يتوقف أولًا حتى يتوقف الرد اليمني، وهنا تكمن المشكلة ويكمن الحل وترسم الطريق الأقصر إلى السلام، والطريق الأقصر تتمثل بإنهاء الأسباب التي دفعت صنعاء إلى بناء معادلة الرد وليس بالإخبار والإخضاع، ولله عاقبة الأمور.

captcha