kayhan.ir

رمز الخبر: 228356
تأريخ النشر : 2026August16 - 21:10

المغالطات المنطقية في الخطاب الأميركي تجاه إيران

 

المغالطات المنطقية الغربية أداةٌ لتثبيت سردية الحرب على إيران، غير أن صلابة الموقف الإيراني وقدرته على تفكيكها تحدّ من فاعليتها.

مراد الحاج

ليست المغالطة المنطقية كذباً بالضرورة. وهنا تحديداً تكمن خطورتها. الكذب الصريح كان سلاحاً فتاكاً للدعاية النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن خلال الحرب أيضاً، ومع اقتراب نهايتها، تدخلت المغالطة الأميركية لتؤسس على انتصار الحلفاء، نظاماً دولياً كاملاً، يرتكز إلى فضل الأميركيين الساحق في الانتصار على الفاشية، متجاوزةً الحقائق البسيطة التي توزع الفضل بصورةٍ مختلفة، مثل عدد القتلى والضحايا على الجبهات المختلفة، ودخول الجيش السوفياتي برلين، وفاتورة الحرب وأحداثها بصورةٍ عامة.

واليوم، بعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على ذلك، تستخدم المغالطات المنطقية بصورةٍ أكثر براعةً وخبثاً في الحرب على إيران، وقبلها في الحروب على غزة ولبنان واليمن، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، حيث يجري بصورةٍ ممنهجة تحويل الافتراض السياسي إلى حقيقة إعلامية، ثم تحويل هذا الافتراض بالتكرار إلى مسلّمة، ثم بناء السياسة على المسلّمة التي صنعها الخطاب نفسه.

والحقيقة أن الكذب يختلق واقعة غير موجودة، أما المغالطة فتستطيع أن تنطلق من واقعة صحيحة، ثم ترتبها بطريقة خاطئة، أو تنزعها من سياقها، أو تمدّ دلالتها أبعد مما تحتمل، أو تخفي بجانبها واقعة أخرى لو ظهرت لتغيّر الاستنتاج كله. ولذلك، فإن أكثر أشكال الخطاب السياسي قدرةً على التضليل ليست تلك التي تختلق ما لا وجود له، إنما، وبصورةٍ أدق، تلك التي تبني استنتاجاً غير صحيح من أجزاء صحيحة.

مغالطة رجل القش

في آذار الماضي، نشر البيت الأبيض وثيقة بعنوان لافت: "74 مرة أوضح فيها الرئيس ترامب أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً" (الآن ارتفع الرقم كثيراً مع تحول هذه العبارة إلى لازمةٍ يومية في خطاب ترامب). اللافت هنا أن منع الانتشار النووي هدف مشروع في السياسة الدولية، والأكثر إثارةً للانتباه هو اعتبار عدد مرات تكرار الموقف عنصراً في قوته الإقناعية. أي استخدام التكرار بدلاً من الدلائل والبراهين لترسيخ الاتهام على أنه حقيقةٌ واقعة، وأن ترامب يواجه هذا المسعى الافتراضي، لكن مع التعتيم والتجاهل التام لتكرار الدفاع الإيراني السابق للحرب، في أن الجمهورية الإسلامية لا ترغب، بل تحرّم، صناعة وامتلاك الأسلحة النووية. تعتمد هذه المغالطة على فكرةٍ قديمة، وهي عرض اتهامك للآخر كحقيقة، وتجاهل دفاعه، ثم كرر ذلك مرات كافية لتعميم الانطباع بأن الخلل عند الطرف الآخر الذي لا يستطيع إثبات براءته، بينما القاعدة القانونية الثابتة تاريخياً تقول إن على المدعي البيّنة.

أولى الأدوات هنا هي مغالطة رجل القش. فبدلاً من مناقشة الحجة الإيرانية كما تقدمها طهران فعلاً، يعاد اختلاقها في صورة أكثر تطرفاً، ثم تُهاجم الصورة الجديدة. وفي الوقت نفسه، لا تقوم الحجة الإيرانية الرسمية على تساوي حقوق الدول في امتلاك وسائل الدفاع، وأن امتلاك دولةٍ ما لسلاحٍ ما يشرع منطقياً لها امتلاكه. بل تقوم، قانونياً، على التمييز بين امتلاك السلاح النووي وبين امتلاك دورة وقود نووي وبرنامج تخصيب لأغراض تعلن إيران أنها سلمية. وقد أعادت طهران تقديم هذه الحجة في مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار عام 2026 بالاستناد إلى المادة الرابعة و"الحق غير القابل للتصرف" في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية. بل إن مجموعة دول عدم الانحياز نفسها قدمت في المؤتمر ورقة بشأن هذا الحق، ما يعني أن المسألة ليست ببساطة نزاعاً بين إيران وما يسمى "المجتمع الدولي". لكن مع ذلك، يختزل الخطاب الأميركي المسافة بين التخصيب والقنبلة حتى تكاد تختفي، مختلقاً ترابطاً عضوياً على خطٍ زمني حتمي باتجاه واحد من التخصيب إلى القنبلة، من دون السماح بنقاش الحقائق التي تفرزها المواقف والالتزامات، وحتى الحقائق التقنية.

وقد قدم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شباط الماضي مثالاً واضحاً على هذا المنطق، عندما قال إنه إذا كانت إيران تريد برنامجاً سلمياً، فلماذا لا تستورد الوقود مثل دول أخرى؟ ثم ربط بين التخصيب الإيراني إلى مستويات مرتفعة، والمنشآت المحصنة تحت الأرض، والصواريخ القادرة نظرياً على حمل رؤوس، ليستنتج أن السلوك لا يشبه سلوك دولة غير مهتمة بالسلاح النووي.

وهنا تظهر مغالطة رجل القش بصورتها الكلاسيكية. حيث لا تتم مناقشة حق إيران في التخصيب السلمي وشروط الرقابة عليه، بل ينتقل النقاش أوتوماتيكياً إلى "حق إيران في القنبلة". وبمجرد تفعيل هذه المغالطة، نكون قد وصلنا الإجابة قبل خوض النقاش، والإجابة هي، أنه ممنوع على إيران امتلاك السلاح النووي أو صناعته.

جزء من العالم هو "المجتمع الدولي"

بعد ذلك، تأتي مغالطة الاحتكام إلى الأكثرية، ولكن بصيغة جيوسياسية أكثر تعقيداً. وهنا يلزمنا تتبع الخطاب الغربي على مدى العقود الماضية، حيث تتحوّل مواقف الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إلى موقف "المجتمع الدولي". لكن المجتمع الدولي ليس نادياً سياسياً غربياً، ولا يُقاس وزن الرأي فيه بعدد المقالات المنشورة في الصحافة الأطلسية. والأهم أن الأكثرية، حتى لو وُجدت، لا تنتج الحقيقة تلقائياً.

إذاً، لا أغلبية عالمية أولاً، ثم إن وُجدت، فإن الأغلبية ليست من يحدد قانونية المواقف وأحقيتها. فقد تعتقد أغلبية من الحكومات أن سلوكاً ما خطر، وهذا مهم سياسياً. لكنه لا يجعل التوصيف القانوني أو الواقعي صحيحاً بذاته. فالمنطق لا يعمل بالتصويت.

وتظهر المفارقة أكثر، حين نكتشف أن دول عدم الانحياز أعادت خلال العام الحالي التشديد جماعياً على الحق في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وفي مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار نفسه، لم يكن هناك أصلاً إجماع دولي كامل حول قضايا النظام النووي، بل إن الأمم المتحدة تؤكد صراحة استمرار الآراء المتباينة بين الدول الأطراف. وهكذا، تحتاج عبارة "المجتمع الدولي يرفض" دائماً إلى سؤال بسيط، لكنه يختزل كل الحكاية: أي مجتمع دولي تحديداً؟

مغالطة الشخصنة

بعد تثبيت موقفٍ محرف وإلباسه المتهم، وتحديد هوية المجتمع الدولي صاحب الادعاء، يأتي دور المغالطة الثالثة، إذ يتم تقديم دولةٍ مبنية على حضارةٍ ممتدة على أنها نظام سياسيٌ له صفات أخلاقية وسياسية محددة. ومن هذه الصفات المصنعة غربياً يتم تشريع الاستجابة المطلوبة. وهذه المغالطة تختزل حق الدول وأنظمتها في رسم السياسات التي تعبّر عن مصالحها، من دون لصق كل قرار أو توجه سياسي برغبة الأشخاص، وفصلها عن إرادة الشعب، الذي يتم التشكيك في قناعاته، حتى لو نزل إلى الشوارع بعشرات الملايين، أو شغل الساحات لمنع العدوان على البلاد.

تركز هذه المغالطة على وصف إيران بأنها راعية للإرهاب، وتشدد التركيز على طبيعة النظام السياسي وقياداته وحرس الثورة. وقد يكون ذلك جزءاً مشروعاً من تحليل السلوك الإيراني عملاً بنظرية صناعة القرار، لكن المشكلة المنطقية تبدأ عندما تتحول صفات الفاعل (خصوصاً المصنّعة) إلى جواب عن صحة الحجة. فانتقاد أشخاص الحكم ليس برهاناً على عسكرة البرنامج النووي.

مغالطة الثنائية الزائفة

في هذه المغالطة، يُختصر فضاء الخيارات الواسع بين واشنطن وطهران إلى حدّين. فإما أن تتخلى إيران عن التخصيب، وإما أنها تسعى إلى السلاح... إما أن تقبل الشروط الأميركية، وإما أنها اختارت الحرب. أو أن عليها قبول انحسار قوتها الإقليمية، أو أن تكون بصدد الهيمنة على المنطقة.

لكن منطق العلاقات الدولية يلفظ تاريخياً العمل بهذه الثنائية. والدليل يأتي من المفاوضات نفسها. فقد ظلت الولايات المتحدة وإيران، حتى وسط الحرب، تبحثان عن ترتيبات انتقالية نحو الاتفاق، ووقف إطلاق النار وآليات تنفيذ وتسويات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي. وقد أظهرت اتفاقات ووساطات العام الحالي أن المساحة الواقعة بين الاستسلام والحرب الشاملة واسعة جداً، وأن الطرفين قادران على التفاوض حتى عندما يعلنان أن شروطهما غير قابلة للتفاوض. الثنائية الزائفة، بهذا المعنى، تتحول إلى أداة تفاوضية. حيث يتم حذف الحلول الوسطى، لغويا،ً لجعل الخصم يبدو مسؤولاً عن الحرب إذا رفض خيارك الوحيد.

أما التعميم المتسرع، وهو مغالطة أخرى منطقية، فيظهر عندما تتحول مجموعة من الوقائع الإيرانية الحقيقية إلى تفسير شامل لكل السلوك الإيراني. إذ إن دعم إيران حركات مقاومة وجماعات مسلحة في المنطقة، وتطوير برنامج صاروخي واسع، ورفع مستويات التخصيب، والدخول في مواجهات مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، مسائل تنبع من المخاطر والتهديدات على مجتمعات ودول عديدة في المنطقة، ولها أساساتها التاريخية والصراعية بمنطقها الواسع، وليست مسألة استتباعٍ عقائدي أعمى، كما يسوّق لها دائماً. والنظر إلى كل قضية على حدة، يظهر بوضوح أن هذه الحركات والجماعات المسلحة، تقاتل أولاً دفاعاً عن نفسها ومجتمعاتها ودولها، في وجه هيمنةٍ شرسة ترتكز إلى المصلحة السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، ولا ترتكز إلى القانون الدولي مثلاً. ومن هذا الأساس بنت الولايات المتحدة والغرب معها، التفوق الإسرائيلي العسكري، حجراً حجراً، ومنعت ملاحقتها وملاحقة مسؤوليها في المحاكم الدولية، اعتباطياً بصورةٍ تامة، ومن دون خجل. وهكذا، لا يمكن تقزيم القضية الفلسطينية مثلاً، أو قضية الأطماع الإسرائيلية التاريخية في لبنان وسوريا، إلى حدود صراع نفوذ بين إيران ودول المنطقة. لكن الانتقال من هذه الوقائع إلى نتيجة تقول إن كل تحرك إيراني هجومي، أو أن كل تفاوض مناورة، أو أن كل تخصيب مقدمة لقنبلة، هو انتقال من المعلومة إلى العقيدة. وهذه إحدى مشكلات التحليل الأمني الكبرى، حيث تصبح السوابق بنسختها المروجة في "المجتمع الدولي" تفسيراً للحاضر، وللمستقبل كله.

مغالطة الاحتكام إلى الجهل

هنا المغالطة واحدة من أدق المغالطات، ويجب التعامل معها بحذر شديد، لأن لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحفظات حقيقية بشأن إيران، ولا يصح إخفاؤها. فقد قالت الوكالة في صيغ رقابية معروفة إنها تستطيع التحقق من عدم تحويل المواد النووية المعلنة، لكنها لا تستطيع في ظروف معينة تقديم ضمان موثوق بشأن غياب مواد أو أنشطة غير معلنة. لكن هناك فرقاً منطقياً هائلاً بين عدم تمكن الوكالة من إثبات غياب السعي إلى القنبلة بالدلائل، وبين استنتاج وجود تلك النية واعتبارها مؤكدة.

إن غياب القدرة على إعطاء ضمان كامل ليس دليلاً إيجابياً على وجود برنامج سلاح. وهذه المسافة التي تبدو صغيرة بين الحالتين، هي هوة كاملة إبستمولوجياً. وحتى تقييم التهديد السنوي الأميركي لعام 2026 صاغ أجزاء من الملف الإيراني بلغة تقديرية تتحدث عن نيات وقدرات واستعادة بنى وبرامج، وهو ما يذكّر بأن العمل الاستخباري نفسه يتعامل مع درجات من اليقين، لا مع الحقائق المطلقة التي يوحي بها الخطاب السياسي.

ومن منطلق هذه المغالطة، تبرز أخرى. وهي ترك المتهم ليبحث بنفسه عن براءته ويثبتها، وإلا يكون مداناً، حتى لو غابت الدلائل. أي نقل عبء الإثبات إلى المتهم نفسه. لكن كيف تثبت دولة عدم وجود نية؟

يمكنها فتح منشآت، تقديم بيانات، قبول آليات تحقق، توقيع اتفاقات. لكن إثبات غياب النية بصورة مطلقة مستحيل فلسفياً حتى. ولذلك يصبح الشرط قابلاً للتمدد إلى ما لا نهاية. وكلما قدمت هذه الدولة دليلاً، يتم الانتقال إلى مطالبتها بدليلٍ آخر، لأن القضية لم تعد التحقق من نشاط محدد، وإنما إثبات غياب احتمال مستقبلي. إنه انتقال مروع من الاتهام المبني على الدليل إلى طلب تأكيد في عالم النوايا غير القابل للقياس.

انتقاء نصف الحقيقة الأكثر فاعلية

ثم هناك المغالطة المؤثرة دائماً، وهي الانتقاء. حيث تم بناء سردية كاملة حول الصراع غير متينة، لكنها طاغية في الإعلام العالمي. تجمع هذه السردية مستويات التخصيب، والصواريخ الباليستية، ونشاط حرس الثورة، والعلاقات مع الحلفاء في المنطقة، والعلاقة المضطربة مع الوكالة الدولية، في قالبٍ واحد. مع حذف الأجزاء غير المتوافقة مع هذه السردية، مثل عضوية إيران في معاهدة عدم الانتشار النووي، وامتناع "إسرائيل" عن الانضمام إليها، واستناد إيران إلى المادة الرابعة منها في دفاعها عن الاستخدام السلمي، وتأكيدات دول عدم الانحياز بدورها هذا المبدأ، وصولاً إلى حقيقة انسحاب الولايات المتحدة نفسها من عام 2018 من الاتفاق النووي الذي كان يفرض قيوداً واسعة على البرنامج الإيراني.

وتستند الولايات المتحدة إلى الانتقاء الذي يعطيها أفضليةً منطقية إذا أخذت الأمور في ظاهرها، من دون الحاجة إلى تزوير أي معلومة. ثم استخدام التزوير عند الحاجة لتدعيم السردية عندما تنتكس في موضع معين. وبخلط الحقائق المنتقاة والتزوير المختار، يتم تثبيت الاتهامات كحقائق، على الأقل إلى الدرجة الكافية لاستكمال الحرب ومحاولات الإخضاع، وخلق مسافة بين إيران وشركائها الإقليميين والدوليين، عبر خلق حرجٍ ظاهر في مساندة موقف قانوني محق ومبرر. إذ يكفي أن تضع تسع حقائق على الطاولة، وتترك الحقيقة العاشرة مخفية. لكن لماذا تصطدم هذه اللغة بإيران؟

هشاشة المغالطات

تبدو هذه المغالطات فعالة جداً عندما يكون الطرف المقابل مرتبك الرواية، قليل الخبرة، أو محتاجاً إلى الاعتراف السياسي الغربي بحيث يقبل الإطار المفاهيمي الذي يُفرض عليه. لكنها تصبح أكثر هشاشة أمام دولة ترفض أصل الإطار الذي يرسم لها. وهنا تكمن قوة إيرانية مختلفة عن الصواريخ والجغرافيا والتأثير الإقليمي. هي قوة تستند إلى الاستقلال والسيادة بالدرجة الأولى، وإلى النشاط السياسي والدبلوماسي والقانوني المبني على كفاءاتٍ عالية وخبرات ثمينة في هذا المضمار، بالإضافة إلى تشبيك موقفها مع مواقف شركاء آخرين يتعرضون إلى النسق نفسه من المغالطات الأميركية-الغربية. فالدبلوماسية الإيرانية، على اختلاف الموقف من سياسات الجمهورية الإسلامية، وريثة دولة تمتلك تقاليد عريقة في التفاوض وفهماً متراكماً لعلاقات القوة. وهي لا تدخل عادةً إلى النقاش الأميركي من السؤال الذي تطرحه واشنطن، بل تحاول تغيير السؤال نفسه، ليكون متناسباً مع القانون الدولي، ومع المنطق الطبيعي وسوابق العلاقات الدولية، وواقعها الحالي، وبالمقارنة مع قضايا أخرى تظهر تناقض الخطاب الغربي في الحالات التي تفرض مصلحته تأييد موقف مماثل لموقف إيران الحالي.

هذه الاستراتيجية للمواجهة التي تعتمدها طهران، تنزع من الخصم سلطة صياغة مضبطة الاتهام، وتقلبها عليه، ثم تأخذ لنفسها سلطة مماثلة في اتهام الخصم، طالما أن حقائق القوة تسمح بذلك. لأن أحقية الموقف لا تكفي لردع الاتهام أو العدوان المبني عليه، بل يجب امتلاك موقفٍ قادر على الصمود بالقوة، في حال ذهب الطرف الآخر إلى حدود تنفيذ مصالحه بالقوة بناءً على مغالطاته. وهذه استراتيجية تبدو نافعةً إلى الآن، وبالغة الأهمية في التفاوض. إذ إن للولايات المتحدة قوة هائلة تستطيع أن تفرض العقوبات وتحشد الأساطيل أو تضرب المنشآت، وتبني أيضاً تحالفات واسعة. لكنها لا تستطيع بالقوة العسكرية إلغاء قواعد الاستدلال والمنطق. لأن الخطاب السياسي يكون في ذروة قوته حين يستطيع أن يجعل عرضه للواقع يبدو كأنه الواقع نفسه. لكنه يبلغ أيضاً لحظة ضعفه القصوى عندما يواجه خصماً يعرف كيف يفكك هذا العرض، ويفصل الوقائع عن الاستنتاجات، ويعيد عبء الإثبات إلى صاحبه.

فالقوة لا تستطيع وحدها، ومن طرف واحد أن تجعل المغالطة حقيقة. هي دائماً تحتاج إلى مشاركة المتهم في تثبيت الاتهام على نفسه، وهو ما لا يتحقق لأميركا الآن في هذا الصراع، ويسبب في الوقت نفسه هذا التردد بين موجات الحرب والتفاوض، مع المخاطرة بانهيار الموقف كله تحت تداعيات الأزمات الأميركية والغربية الداخلية، التي تتأثر بالصراعات الخارجية القاسية، مثل هذا الصراع، الذي يمتلك فيه الخصم ذاكرةً سياسيةً طويلة، وسيرةً تفاوضية صلبة، ورواية حضارية عن الذات لا تستمد شرعيتها من القبول الغربي.

captcha