kayhan.ir

رمز الخبر: 228230
تأريخ النشر : 2026August14 - 22:16

من أتاح لكاتس التنمر على لبنان؟

اعترضَ رئيسُ الحكومةِ نواف سلام، عن حقٍّ، على تصريحاتِ وزيرِ الحربِ الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، الذي أعلنَ أنّ جيشَهُ يستعدُّ للبقاءِ طويلاً في ما يسمّيه «المنطقة الأمنية»، وأنّه يواصلُ تدميرَ المنازلِ ومنعَ السكانِ من العودة. وقال سلام إنّ بقاءَ الاحتلالِ وتعطيلَ العودةِ وإعادةَ الإعمارِ يشكّلُ انتهاكاً للسيادةِ والقانونِ الدوليّ واتفاقِ الإطار. لكنّ المشكلةَ أنّ رئيسَ الحكومةِ يحمّلُ الاتفاقَ معنى لم يردْ فيه، ويتجاهلُ أنّ من منحَ “إسرائيلَ” القدرةَ على إبقاءِ هذه الملفاتِ معلّقةً هو النصُّ الذي وقّعت عليه الحكومةُ اللبنانيةُ نفسُها.

الكلمةُ الحاسمةُ الغائبةُ عن الاتفاقِ هي «الانسحاب». والاتفاقُ لا يلزمُ “إسرائيلَ” بانسحابٍ نهائيٍّ من الأراضي اللبنانية، بل يتحدثُ عن «إعادةِ انتشارٍ تدريجية» لقواتِها. وقد يبدو الفارقُ لغوياً لمن يريدُ تجاهلَهُ، لكنّه في الاتفاقاتِ العسكريةِ فارقٌ جوهريّ. فالانسحابُ يعني مغادرةَ الأرضِ وإنهاءَ الاحتلال، أمّا إعادةُ الانتشارِ فتعني تغييرَ مواقعِ القوات، وتقليصَ بعضِها أو نقلَها إلى مواقعَ أخرى، من دونِ أن تستوجبَ الخروجَ من كاملِ الأراضي المحتلة.

لـ”إسرائيلَ” تاريخٌ طويلٌ في استخدامِ تعبيرِ «إعادة الانتشار» لتمييزِهِ عن الالتزامِ بالانسحاب. فقد استعملتْهُ في اتفاقاتِ أوسلو والخليل وواي ريفر، ونفّذت بموجبِهِ تحركاتٍ جزئيةً أبقت الاحتلالَ قائماً وغيّرت شكلَهُ وحدودَه. ولذلك لم يكن اختيارُ التعبيرِ في اتفاقِ لبنانَ بريئاً ولا عفوياً.

إذا كان رئيسُ الحكومةِ يعتقدُ أنّ «الانسحاب» و«إعادة الانتشار» يحملانِ المعنى نفسَه، فلماذا اختارَ المفاوضونَ العبارةَ الأطولَ والأكثرَ التباساً؟ كانت كلمةُ «الانسحاب» أقصرَ وأسهلَ وأوضح، ولا تحتاجُ إلى تفسير. وعندما يستبعدُ النصُّ الكلمةَ الصريحةَ ويستبدلُها بتعبيرٍ له سوابقُ إسرائيليةٌ معروفة، يصبحُ واجباً سؤالُ من وقّع: لماذا قبلتم بذلك؟

الأخطرُ أنّ إعادةَ الانتشارِ ليست التزاماً إسرائيلياً تلقائياً حتى بصيغتِها المحدودة. فالنصُّ لا يقولُ إنّ إسرائيلَ «تلتزمُ بإعادةِ الانتشار»، بل إنّ اكتمالَ نزعِ سلاحِ الجماعاتِ المسلحةِ وتفكيكَ بنيتِها ونجاحَ عملياتِ التحقّقِ «يتيحُ» أو «يجعلُ ممكناً» إعادةَ الانتشارِ التدريجيّ للقواتِ الإسرائيلية. وبينَ الإلزامِ والإتاحةِ مسافةٌ قانونيةٌ وسياسيةٌ واسعة. فالإتاحةُ تعني أنّ إعادةَ الانتشارِ تصبحُ قابلةً للبحثِ بعد تحققِ الشروط، لا أنّها تقعُ حكماً ولا أنّ لها موعداً محدداً.

وهنا يظهرُ السؤالُ الذي تجاهلَهُ الموقّعون: متى تنتهي عملياتُ التحقّق؟ ومن يعلنُ اكتمالَ نزعِ السلاح؟ وما المدةُ التي تحتاجُها؟ وماذا يحدثُ إذا قالت “إسرائيلُ” إنّ المعلوماتِ غيرُ كافية، أو إنّ بنيةً عسكريةً بقيت في مكانٍ ما، أو إنّ خطراً محتملاً لا يزالُ قائماً؟ لا يقدّمُ الاتفاقُ موعداً نهائياً ولا آليةً تلزمُ “إسرائيلَ” بالقبولِ بنتائجَ لبنانية، ما يمنحُها القدرةَ على إبقاءِ التحقّقِ مفتوحاً، وبالتالي إبقاءَ إعادةِ الانتشارِ معلّقة.

وتلتحقُ بهذه الصياغةِ ثلاثةُ ملفاتٍ يقولُ رئيسُ الحكومةِ اليوم، عن حقٍّ، إنّ “إسرائيلَ” تعطّلُها: إنهاءُ الاحتلال، وعودةُ السكان، وإعادةُ الإعمار. فالاتفاقُ ربطَها كلَّها بالتقدّمِ في نزعِ سلاحِ حزبِ اللهِ وتفكيكِ بنيتِهِ والتحقّقِ من النتائج. لا عودةَ كاملةً قبلَ تحقّقِ الشروط، ولا إعمارَ مدعوماً دولياً قبلَ إنجازِ المراحلِ المطلوبة، ولا إعادةَ انتشارٍ إسرائيليةً قبلَ اقتناعِ آليةِ التحقّقِ بأنّ لبنانَ أدى ما عليه.

لهذا لا يكفي أن يعترضَ رئيسُ الحكومةِ على كاتس. كان عليهِ أن يعترضَ على النصِّ قبلَ توقيعِه، وأن يُصرَّ على جملةٍ لا تحتملُ التأويل: «تنسحبُ إسرائيلُ انسحاباً كاملاً ونهائياً من جميعِ الأراضي اللبنانيةِ ضمنَ جدولٍ زمنيٍّ محدد، وتعودُ جميعُ العائلات، ويبدأُ الإعمارُ فوراً». وهذا ما حققه القرار 425 والقرار 1701 ثم اتفاق 2024، لكنّ الاتفاقَ الذي يتبناهُ رئيسُ الحكومةِ لم يقلْ ذلك.

من تسبّبَ بالبلاءِ ومنحَ كاتس فرصةَ التنمرِ على لبنانَ هو من وقّعَ اتفاقاً لا يتضمّنُ الانسحابَ النهائيّ، ثم يحاولُ إقناعَ اللبنانيينَ بأنّ «إعادة الانتشار» تعني الانسحاب. وهو إمّا لم يقرأِ النصَّ جيداً، وهذه مصيبة، أو قرأَهُ وفهمَهُ وقرّرَ تجاهلَ الخطيئة، والمصيبةُ أعظم. أمّا الاعتراضُ اليومَ على النتائجِ التي أنتجَها الاتفاقُ نفسُه، فلا يعفي الحكومةَ من المسؤولية، بل يثبتُ أنّ التحذيراتِ من النصِّ كانت في مكانِها.

البناء

captcha