kayhan.ir

رمز الخبر: 227641
تأريخ النشر : 2026July31 - 19:43

رَعْدُ المآل… وفي عينِ لبنانَ السُّؤال

ابراهيم مصطفى

 القصة اليوم أعمق بكثير مما تظهره الشاشات وما تتناوله نشرات النميمة السياسية أو تحليلات صالونات السياسة. نحن لا نراقب مجرد جولة اشتباك تقليدية أخرى تنتهي ببيان شجب أو تسوية مؤقتة، بل نشهد مخاضاً ثقيلاً وتاريخياً تُعاد فيه هندسة المنطقة بأكملها، ولبنان كالعادة يقف في نقطة الغليان الأثقل وزناً في هذا الميزان المليء بالبارود.

كلّ المسلمات التي تربّينا عليها وعاش الجميع تحت ظلالها لسنوات طويلة تساقطت؛ فمن كان يظنّ أنّ قوة الخصم أبدية ومطلقة وصامدة في وجه الزمن فهو يعيش خارج التاريخ تماماً. اليوم، معادلات الردع المتبادل تتغيّر من أساسها وبشكل جذري، والقصة لم تعد مجرد خسارة عابرة هنا أو انتصار شكلي هناك، بل هي إعادة كتابة شاملة لقواعد اللعبة لا رجعة فيها على الإطلاق. الأطراف التي اعتادت أن تفرض شروطها وتتحكم ببوصلة الإقليم باتت اليوم تقف في مواقع الحذر الشديد، وتواجه تحوّلات كبرى تقضّ مضاجعها وتغيّر وجه المنطقة برمتها إنْ حدثت.

وحتى على صعيد ما يُحاك خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة، فإنّ المسافات الزمنية تفككت وتلاشَت. القدرات التي كانت تُقاس بأعوام طويلة من التخطيط والتطوير باتت اليوم مرهونة بقرار سياسي وعسكري واحد قد يُتخذ في أيّ لحظة مباغتة ليقلب الطاولة على الجميع، خصوصاً حين تصبح العقائد الاستراتيجية والنووية عرضة للتبدّل والتعديل. لم يعد المانع تقنياً أو نقصاً في الإمكانيات، بل هو قرار معلّق على حافة التفعيل، وحين يُتخذ، لن تبقى أيّ قواعد قديمة صالحة للاستخدام.

وفوق رؤوسنا تماماً، سماء لبنان تحكي قصة أخرى لا تنتبه لها العيون المشتتة. حركة الطائرات والمسح الاستخباري المكثف والواسع النطاق ليست مجرد روتين عسكري عابر للحدود، بل هي عيون تلتهم المدى وتُحدث بنك أهدافها بصمت مطبق وقاتل. إنها الحرب الباردة والمكثفة التي تسبق العاصفة الكبرى، والتي تجعل السؤال الملحّ مشروعاً وأكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى حول ما يحضّرونه في السرّ وما تخفيه التردّدات عن الأعين.

وفي الميدان الآتي، تلوح في الأفق تقنيات وأسلحة متقدمة لم تختبر ميدانياً بعد، وقادرة على قلب الموازين بسرعة وكفاءة مذهلة. حرب المستقبل لا تشبه أبداً ما ألفناه من حروب سابقة، فهي تعتمد على عناصر مفاجئة وتكنولوجيا دقيقة وعالية الفعالية، مما ينذر بمواجهة مختلفة كلياً من حيث القسوة، وسرعة الحركة، وشكل الدمار الذي تتركه خلفها.

وسط كلّ هذا الضجيج والترقب والخوف المبطن، ليس لبنان مجرد ساحة خلفية أو رقماً هامشياً على رقعة الشطرنج لتسوية الحسابات الإقليمية، بل هو العنوان الحقيقي والنابض الذي تُرسم عنده خارطة المنطقة الجديدة. هنا، حيث يدفع الناس الثمن غالياً من أمنهم واستقرارهم ودماء أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وُجدوا صدفة في عين العاصفة، تُكتب فصول المستقبل الذي سيحكم الشرق الأوسط لعقود طويلة مقبلة

captcha