kayhan.ir

رمز الخبر: 227514
تأريخ النشر : 2026July28 - 20:19

بين الحرب والسلم والانتخابات وميزان الطاقة: مأزق السياسة الأميركية تجاه طهران

 

حسن حردان

 يعيش المشهد الإقليمي والدولي على وقع مرحلة بالغة الدقة والتعقيد، تتسم بتأرجح غير مسبوق بين خيارات التصعيد العسكري والمسارات الدبلوماسية الهشة. فالتذبذب المستمرّ في قرارات الإدارة الأميركية، لا سيما في ظلّ تقلّبات مواقف الرئيس دونالد ترامب بين التلويح بالضربات المدمرة والاندفاع نحو الوساطات (كالدور العُماني الأخير)، يعكس أزمة أعمق تتعلق بتآكل كفاءة القوة العسكرية المفرطة كوسيلة لإخضاع الخصوم، واصطدامها بجدار صلب من القدرة الإيرانية على امتصاص الصدمات وإبقاء جبهات الاستنزاف مفتوحة.

هذا التخبّط لا ينمّ عن فراغ استراتيجي، بل هو انعكاس مباشر لثلاثة محاور ضاغطة تشكل معاً بوصلة القرار في واشنطن: الهواجس الانتخابية الداخلية، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، وهواجس الحلفاء الإقليميين.

أولاً: أضلاع الأزمة  وتناقضات القرار الأميركي

مأزق حرب الاستنزاف واستنفاد الردع: أثبتت الجولات الأخيرة من المواجهة أنّ القوة العسكرية وحدها ـ مهما بلغت حدّتها ـ عاجزة عن فرض استسلام سياسي على طهران.

وفي المقابل، أدركت الدوائر العسكرية والبنتاغون خطورة استنزاف المخزونات الاستراتيجية من الذخائر المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي، ناهيك عن المخاطر الجسيمة المترتبة على جرّ الإقليم إلى حرب شاملة. هذا التعادل السلبي هو ما أجبر الإدارة على تعليق الغارات والقبول بالدخول في اختبارات تسوية جزئية، أبرزها الترتيبات المتعلقة بتأمين الملاحة في مضيق هرمز عبر الوساطة العُمانية.

الاستقطاب الحزبي وضغط القواعد: يعكس التذبذب الأميركي انقساماً حاداً داخل الحزب الجمهوري ومعسكر “أميركا أولاً”. فبينما تضغط القواعد الشعبية والدوائر الاقتصادية لتجنّب حروب الخارج وخفض الإنفاق المالي وحماية أسواق الطاقة من الهزات، يقف “الصقور” ومحافظو الحزب الجدد موقفاً رافضاً لأيّ تهدئة لا تقوّض النفوذ الإيراني بالكامل، معتبرين التراجع عن الضغط الشامل تنازلاً استراتيجياً. هذا الصراع الداخلي يحوّل الإدارة الأميركية إلى أسيرة لردود الفعل المتباينة.

حسابات الأسواق والطاقة وضغوط الإقليم: تتحكّم أسواق النفط العالمية كـ “ميزان حرارة” حساس للغاية لأيّ تصعيد عسكري في الخليج. فأيّ اضطراب في مضيق هرمز يعني تلقائياً قفزة هائلة في الأسعار تضرب الاقتصاد العالمي وتعصف بشعبية الإدارة داخلياً. وفي ذات السياق، تلعب ضغوط حلفاء واشنطن الإقليميين ـ القلقين من تداعيات أيّ حرب مفتوحة على أمنهم واستقرارهم ـ دوراً مزدوجاً، يتراوح بين المطالبة بردع إيران حيناً، والحث على احتواء التصعيد حيناً آخر.

ثانياً: الآفاق المستقبلية  والسيناريوات المحتملة

في ضوء استمرار هذه المعادلة المعقدة، يمكن قراءة الأفق المنظور عبر ثلاثة سيناريوات رئيسية:

1 ـ سيناريو “الهدنة الهشة وإدارة التعايش المؤقت” (الأرجح): استمرار حالة المدّ والجزر دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى، مع التوصل إلى تفاهمات وتتويج الوساطات الإقليمية (كـ عُمان) بصيغ تقنية محدودة لضمان أمن الملاحة وحركة الطاقة. هذا السيناريو يبقي فتيل الأزمة مشتعلاً تحت الرماد، حيث تتبادل الأطراف رسائل الردع، ويستمرّ التذبذب الأميركي محكوماً بالضرورات الانتخابية والاقتصادية.

2 ـ سيناريو “الانفجار المفاجئ وانهيار التسوية”: نظراً لهشاشة التفاهمات الحالية وغياب الثقة المتبادلة، فإنّ أيّ احتكاك ميداني غير محسوب، أو ضغط مكثف من صقور الحزب الجمهوري والحلفاء الإقليميين، قد يؤدّي إلى نسف مسار التهدئة برمته. في هذه الحالة، ستجد الإدارة نفسها مجبرة على العودة إلى الخيار العسكري، متجاوزة مخاوف الاستنزاف، ما ينذر بمواجهة إقليمية واسعة النطاق.

3 ـ سيناريو “التسوية الكبرى المبرمة تحت الضغط”: وهو سيناريو مستبعَد في المدى القريب لكنه يظلّ مطروحاً نظراً لتكلفة البدائل؛ ويقوم على إدراك الطرفين (واشنطن وطهران) استحالة حسم الصراع عسكرياً، مما يدفعهما نحو تفاوض غير مباشر وشامل يعيد صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، بحيث يحفظ ماء وجه القيادة الأميركية ويضمن لإيران مكاسب أمنية واقتصادية أساسية.

خلاصة القول: تخوض الإدارة الأميركية حرباً نفسية وسياسية مع ذاتها قبل أن تخوضها مع طهران. فطالما ظلت الحسابات الانتخابية وهواجس أسواق الطاقة هي المحكّ الأساسي لترامب، سيظلّ مسار التهدئة محكوماً بالتأرجح والهشاشة؛ إذ إنّ عجز القوة عن الحسم وغياب الإرادة الحقيقية لتسوية شاملة يبقي المنطقة رهينة لمعادلة “لا حرب واضحة ولا سلم مستدام”.

captcha