مَن معه الزمان والمكان يربح الحرب
ناصر قنديل
لا تُحسم الحروب بحجم القوة المجردة، بل بقدرة كل طرف على استخدام قوته في المكان المناسب، والمحافظة عليها خلال الزمن اللازم لتحقيق الهدف السياسي. ولا شك في أن الولايات المتحدة تملك قدرة تدميرية تفوق إيران أضعافاً، لكن السؤال الاستراتيجي ليس مَن يستطيع إطلاق الصواريخ الأكثر، بل مَن يستطيع مواصلة الحرب مدة أطول، ومَن يستطيع تحويل جغرافيّة القتال إلى عبء على خصمه.
الأرقام الأميركية تقول إن المشكلة بدأت تنتقل من القدرة على توجيه الضربة إلى القدرة على الاستمرار بعدها. فقد كشفت «وول ستريت جورنال» أن الولايات المتحدة أطلقت، منذ 28 شباط، أكثر من ألف صاروخ «توماهوك»، وبين 1500 وألفي صاروخ دفاع جوي من طرازات «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد». ونقلت عن مسؤولين أن التعويض الكامل لهذه المخزونات قد يحتاج إلى ست سنوات، وأن ما بقي لديها لا يزيد عن 1000 صاروخ ما يؤثر في الخطط الأميركية الموضوعة للدفاع عن تايوان.
أما «واشنطن بوست» فكشفت، استناداً إلى تقييمات للبنتاغون، أن القوات الأميركية أطلقت أكثر من مئتي صاروخ «ثاد»، أي نحو نصف المخزون الأميركي، إضافة إلى أكثر من مئة صاروخ من طرازي «إس إم-3» و«إس إم-6». وهذه أرقام سبقت الجولة الأخيرة، ما يعني أن الاستنزاف الراهن أشد مما كانت عليه الصورة عند نشر التقرير.
وعندما درس ترامب حملة تصعيدية جديدة تمتد أسبوعين، قالت «وول ستريت جورنال» إن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أعاد طرح تناقص مخزون «باتريوت» وسائر الصواريخ الاعتراضية. وقدّر محللون أن أكثر من 1500 صاروخ «باتريوت» استُخدمت، وأن المتبقي يقلّ عن ألف. وهكذا لم يعد السؤال هل تستطيع أميركا قصف إيران، بل ماذا يبقى للدفاع عن قواعدها و”إسرائيل” وتايوان إذا استمر القصف والرد؟
هذه هي معركة الزمان، تستطيع إيران إطلاق صاروخ أو مسيّرة أقل كلفة وأسرع إنتاجاً، بينما تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام ذخيرة اعتراضية باهظة ومعقدة وبطيئة التعويض. ولا يلزم إيران أن تخترق الدفاعات في كل مرة؛ يكفيها أن تجبرها على العمل في كل مرة. لأن الصاروخ الإيراني الذي يُسقط قبل بلوغ هدفه يكون استراتيجياً، قد أدى وظيفته أنه استهلك صاروخاً أميركياً أو أكثر بما لا يمكن تعويضه قبل سنوات.
وتظهر المعادلة نفسها في النفط. فقد انخفض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى 316.5 مليون برميل في 10 تموز، ثم إلى نحو 311.4 مليوناً في الأسبوع التالي، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983. ووفق أرقام وزارة الطاقة، خسرت الخزانات قرابة مئة مليون برميل منذ بداية الحرب، كما تقول رويترز وستاندرد أند بورز غلوبال.
الأهم أن «رويترز» قدّرت أن العالم سحب قرابة مليار برميل من الاحتياطيات منذ اندلاع الحرب، ووصفت هذه الاحتياطيات العازلة بأنها باتت مستنزفة. معنى ذلك أن السوق استطاع امتصاص صدمة الأشهر الأولى باستخدام مخزونات تراكمت في سنوات، لكنه لن يستطيع امتصاص جولة مماثلة بالطريقة نفسها.
في المقابل، حوّلت إيران وقف النار إلى زمن عملياتي واقتصادي. وتفيد بيانات أوردتها «رويترز» بأن 52 ناقلة غادرت منذ إعلان وقف النار، محمّلة بنحو 62 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات الإيرانية. كما سجلت «كبلر» عبور 34.5 مليون برميل من الخام الإيراني على متن 21 ناقلة بين 14 حزيران و10 تموز. وإذا احتُسبت الشحنات بأسعار قاربت 79 دولاراً للبرميل، فنحن أمام عائدات تقارب خمسة مليارات دولار، وترتفع إلى نحو ستة مليارات مع بلوغ الصادرات سبعين مليون برميل وفق تقديرات رويترز.
ولم تكن أهميّة البيع مالية فقط. فقد بلغ النفط الإيراني الموجود على المياه نحو 166–170 مليون برميل في كانون الثاني، بما يعادل خمسين يوماً من الإنتاج الإيراني. ثم انخفض المخزون العائم من نحو 190 مليون برميل في أواخر نيسان إلى 147 مليوناً مطلع حزيران. وبذلك أفرغت إيران عشرات ملايين البراميل من خزاناتها العائمة، وحصلت على السيولة، وحررت في الوقت نفسه قدرة تخزينية تستطيع استخدامها إذا عاد الحصار.
أما المكان، فهو مع إيران بصورة أوضح. الولايات المتحدة تقاتل عبر آلاف الكيلومترات، وتحتاج إلى حماية قواعدها و”إسرائيل” ومنشآت الخليج(الفارسي) والممرات البحرية في وقت واحد. أما إيران فتقاتل من عمقها الجغرافي، وتملك اختيار موضع الرد، قاعدة أميركية، ناقلة نفط، منشأة خليجية، مضيق هرمز وباب المندب. الانتشار الأميركي الذي يشكل مصدر قوة في الحرب القصيرة يتحول إلى كثرة أهداف والتزامات دفاعية في الحرب الطويلة.
لا تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز كلياً. يكفي أن تجعل المرور مشروطاً بإرادتها ومحفوفاً بالمخاطر. وقد أظهرت بيانات الشحن بعد الجولة الأخيرة أن تدفقات النفط عبر المضيق انخفضت إلى نحو 15% من مستواها السابق. لذلك تجاوز برنت مئة دولار عندما ارتفع احتمال الحرب، ثم هبط بنحو 8% إلى ما دون تسعين دولاراً بمجرد توقف الضربات والحديث عن المفاوضات، رغم أن حركة الملاحة لم تكن قد عادت إلى طبيعتها، كما رأت رويترز.
هذه ليست مجرد ضغوط اقتصادية مرافقة للحرب، بل جزء من ميزانها الاستراتيجي. واشنطن تنفق من مخزون نفطي وذخائري يحتاج إلى سنوات لتعويضه؛ وإيران تستخدم الهدنة لتحويل النفط المخزن إلى أموال، وإخلاء خزاناتها، وإعادة توزيع صواريخها، وتحسين تمويهها ودفاعاتها. الزمن الأميركي زمن استهلاك، بينما الزمن الإيراني زمن إعادة بناء وتكيّف.
لذلك يبقى خيار استئناف الحرب متاحاً عملياتياً، لكنه يتراجع استراتيجياً. تستطيع الولايات المتحدة بدء جولة جديدة، لكنها لا تملك ضمان نهايتها أو مدتها. وإيران لا تحتاج إلى هزيمة الجيش الأميركي في معركة فاصلة؛ يكفيها أن تبقى قادرة على الرد، وأن تمنع واشنطن من تحويل تفوقها الناري إلى استسلام إيراني.
من يملك القوة يستطيع أن يبدأ الحرب، أما من يجتمع معه الزمان والمكان فيستطيع تحديد نهايتها. المكان يمنح إيران مسرحاً تقاتل فيه من عمقها، وتضع خصومها وقواعدهم وممرّات نفطهم في دائرة النار. والزمان يحوّل كل يوم إضافي إلى استنزاف للمخزون الأميركي وفرصة لإيران كي تتعلّم وتعيد التموضع. وعندما يجتمع الزمان والمكان مع طرف، بينما لا يملك خصمه إلا تفوق الضربة، يصبح الصمود نفسه طريقاً إلى النصر.