إيران ما بعد العقيدة القديمة… الغرب يطارد ظلالاً لا مَن يحكم فعلياً
عباس المعلم
ليست القضية اليوم ما إذا كانت إيران قد غيّرت موقفها من السلاح النووي فحسب، بل ما إذا كانت الدولة الإيرانية نفسها قد دخلت مرحلة مختلفة في بنيتها الذهنية وآلية صناعة القرار. فمعظم التحليلات الغربية ما تزال تقرأ طهران بعقلية الثمانينيات والتسعينيات، بينما تشير المؤشرات إلى أنّ مركز الثقل السياسي والأمني والعسكري لم يعد مطابقاً للصورة التقليدية التي رسخها الإعلام لعقود. إنّ أخطر ما تواجهه واشنطن وتل أبيب ليس احتمال امتلاك إيران لقدرات نووية متقدمة، بل عجزهما المتزايد عن تحديد من يتخذ القرار الحقيقي، وكيف يُصنع، وما هي الفلسفة الجديدة التي تحكمه.
لقد قامت العقيدة الإيرانية طوال سنوات على معادلة دقيقة تقوم على إدارة التوازن بين الردع وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مستندة إلى اعتبارات دينية وسياسية واستراتيجية متشابكة. أما اليوم، فإنّ الإشارات المتراكمة توحي بأنّ النقاش داخل دوائر القرار تجاوز سؤال “هل نمتلك القدرة؟” إلى سؤال أكثر حساسية: “كيف نعيد تعريف مفهوم الردع نفسه؟” وهذا تحوّل بالغ الأهمية، لأنه يعني أنّ الملف النووي لم يعد مجرد ورقة تفاوض، بل قد يصبح جزءاً من إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإيرانية برمتها إذا فرضت البيئة الإقليمية والدولية ذلك.
وفي هذا السياق، يبرز اسم السيد مجتبى خامنئي بوصفه أكثر من مجرد وريث أو شخصية نافذة داخل النظام. فسواء صحّت جميع التقديرات الغربية أم لا، فإنّ مجرد تزايد الحديث عنه يعكس إدراكاً بأنّ مركز القرار الإيراني أصبح أكثر انغلاقاً وأشدّ تعقيداً. لم يعد الحكم في إيران يُقرأ من خلال الشخصيات التي تتصدّر الشاشات أو التصريحات الرسمية، بل من خلال دائرة ضيقة للغاية يصعب اختراقها استخباراتياً أو فهم آلياتها النفسية والتنظيمية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالقوة لا تنبع فقط من امتلاك القدرات العسكرية، بل من جعل الخصم عاجزاً عن معرفة من يفكر، ومن يقرّر، وبأيّ منطق تُدار الدولة.
لذلك، قد يكون الخطأ الأكبر الذي تقع فيه الولايات المتحدة و”إسرائيل” هو افتراض أنّ تغيير الوجوه يعني استمرار العقل ذاته. فالأجيال التي تدير الملفات الحساسة اليوم لم تعش ظروف الثورة الإسلامية كما عاشها الجيل المؤسّس، ولم تتشكل في البيئة الدولية نفسها، كما أنها ورثت دولة تخوض حرباً استخبارية وتكنولوجية واقتصادية مفتوحة منذ سنوات. ومن الطبيعي أن تنتج هذه البيئة مقاربات مختلفة، أكثر براغماتية في الأدوات، وأكثر صرامة في تعريف الأمن القومي، وأقلّ ارتباطاً بالمسلمات التي حكمت المرحلة السابقة.
لهذا، فإنّ السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنتج إيران سلاحاً نووياً؟ بل: أيّ عقل سياسي وأمني يقود إيران الآن؟ وما هي قواعد الاشتباك التي يؤمن بها؟ وما هي الخطوط الحمراء التي يعترف بها أصلاً؟ فحين تصبح شخصية صانع القرار مجهولة، وتغدو بنية السلطة أكثر غموضاً من قدراتها العسكرية، يتحوّل الردع نفسه إلى معادلة نفسية واستخبارية معقدة، لأنّ الخصم لا يخشى ما تعرفه إيران، بل ما يجهله عنها.
من هنا، قد يكون العالم أمام مرحلة لا يتغيّر فيها البرنامج النووي الإيراني فقط، بل تتغيّر معها المدرسة التي تدير الجمهورية الإسلامية من خلف الستار؛ مدرسة أقلّ ظهوراً، وأكثر مركزية، وأشد ميلاً إلى السرية، بحيث يصبح الغموض ذاته أحد أهمّ أسلحة إيران الاستراتيجية، وربما السلاح الذي تعجز واشنطن وتل أبيب عن التعامل معه حتى قبل أي تطور في الملف النووي…