سقوط ورقة التوت الداخلية: ما بين التجريب والتخريب!
ابراهيم مصطفى
يشهد التاريخ المعاصر أنموذجاً فريداً للهيمنة يتقاطع فيه البعد العسكري الاستعماري مع الوظائف الوظيفية الداخلية، حيث تحرص قوى العدوان ومراكز الأبحاث على تحويل ساحات المواجهة إلى مخابر حية لاختبار أحدث تقنيات الفتك والتدمير.
غير أنّ الخط الفاصل بين العدوان المباشر والتنفيذ بالوكالة يغدو دقيقاً عندما تُراد السلطة الرسمية ومؤسساتها الوطنية أن تلعب الدور الذي عجزت عنه آلة الحرب «الإسرائيلية» طيلة خمسة أشهر من المعارك الضارية على أرض الجنوب.
وفي هذا السياق، يبرز جنوب لبنان كساحة عزيمة وصمود يرفض أن تحال جغرافيته وسكانه إلى حقول تجارب تستباح فيها سيادة الوطن وتضحيات أهله.
لا تقتصر فصول هذه المؤامرة على القصف والعدوان الميداني، بل تمتدّ لتشمل ضغوطاً سياسية وهندسة نفسية تهدف إلى إفراغ القرى والبلدات الحدودية من محتواها الجهادي والوطني، وتحويلها في الخطاب المشبوه إلى مجرد مناطق عمليات أو قطاعات خاضعة للاختبار والتدجين.
إنّ البيئة الجغرافية والتضاريسية الأبيّة لجنوب لبنان، التي كسرت شوكة الغزاة وأفشلت خططهم، تُستهدف اليوم بمحاولات ترويض عبر الإملاءات التي تسعى لدفع الجيش اللبناني نحو تنفيذ مهام استثنائية عجز الاحتلال عن إنجازها بالنار والحديد، وكأنّ المطلوب هو استكمال مشروع الإخضاع تحت غطاء داخلي يشرعن ما أُحبط على جبهات القتال.
إنّ تحويل الجنوب إلى مساحة لتمرير المشاريع الهادفة إلى نزع عناصر قوته وثباته يترك تداعيات بالغة الخطورة على النسيج الوطني والاجتماعي.
فالتهجير القسري الممنهج والتدمير المبرمج للبنى التحتية لا يسعيان فقط إلى معاقبة حاضنة المقاومة على صمودها الأسطوري، بل يبتغيان كسر الإرادة الشعبية التي لطالما شكلت الدرع الحصين للوطن.
وإنّ محاولات طمس الهوية التاريخية للقرى الصامدة وتسويتها بالرمزية والواقع لتلعب دوراً في خدمة أجندات العدسات الخفية، إنما تصطدم بصخرة الوعي العميق لأهل الجنوب الذين يدركون تماماً أنّ بقاءهم من بقاء مقاومتهم، وأنّ التضحيات التي قُدّمت على مدى الأشهر الطويلة لم تكن إلا تعبيراً عن التمسك بسيادة لا تقبل المساومة ولا التنازل.
إنّ أخطر ما في خدعة المناطق التجريبية والسياسات الملحقة بها ليس فقط فاعليتها التدميرية، بل سعيها المحموم لتوظيف مؤسّسات الدولة في معركة كسر إرادة الشعب اللبناني ومقاومته.
ويبقى جنوب لبنان، بدماء شهدائه وعزيمة مجاهديه وثبات أهله، سداً منيعاً في وجه كلّ محاولات الاستواء على جذوع التضحيات، ومقبرة لكلّ أوهام الهيمنة سواء جاءت عبر العدوان المباشر أو عبر الأدوات البديلة. فالمختبرات الحقيقية لا تكون على حساب كرامة الشعوب، والأوطان الأحرار لا تتحوّل أبداً إلى حقول لتجارب العجز الإسرائيلي أو لتحقيق أهداف الخارج بالوكالة.